لعل الأمر شكّل مفاجأة للقليلين وإحباطًا للكثيرين، أن المفاوضات الأخيرة حول سد النهضة الإثيوبي قد أخفقت في الوصول إلى أي نتائج ملموسة. هذه المداولات هي الأحدث في سلسلة امتدت إلى ما يزيد عن عقد من الزمان، لا يضاهيها في الطول إلا مقدار إخفاقها.

الجولة الأخيرة كانت بحضور وزراء الخارجية والري للدول الثلاث المعنية بشكل مباشر، مصر وإثيوبيا والسودان، في كينشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، والتي تساعد في التوسط في المحادثات. كما هو الحال مع جميع الاجتماعات الأخرى، فإنها كانت تهدف للوصول إلى معايير متفق عليها من كافة الأطراف بشأن ملء وتشغيل السد. وبشكل أكثر تحديدًا، كانت مصر والسودان يأملان في إيجاد طريقة قانونية للتغلب على إصرار إثيوبيا على نهجها الأحادي الجانب فيما يتعلق بملء السد. لطالما أصرت إثيوبيا على هذه الأحادية. فلكونه سيوفر الكهرباء التي هي في أمس الحاجة إليها ويعزز التنمية، أضحى السد قضية محورية بالنسبة لإثيوبيا. وحيث أن تمويله من الأموال الإثيوبية، فإنه يتمتع بأهمية وطنية مُكثفة ، كما أصبح سببًا نادرًا للوحدة في بلد ينحدر بسرعة نحو حرب أهلية. أما بالنسبة لمصر، التي تعتمد على النيل لسد أكثر من 90% من إمدادات المياه العذبة لديها، فإن الاحتمال البعيد والحقيقي أيضًا هو أن السد يمكنه أن يغلق صنابير المياه، وهذا يمثل تهديدًا وجوديًا لكل المصريين. وفيما يتعلق بالسودان، كان الوضع في البداية أكثر مرونة، حيث كان سيستفيد من الكهرباء الرخيصة التي قد ينتجها السد. والأهم من ذلك، نظرًا لأن السد سينظم تدفق المياه، فمن المحتمل أن يوفر متنفسًا من الفيضانات التي يعاني منها السودان سنويًا. غير أن الوضع تغير بشكل جذري خلال العام الماضي أو نحو ذلك، حيث شهدت الأشهر القليلة الماضية تصاعدًا سريعًا. كان أحد العوامل المهمة في هذا التطور هو التغير في موقف السودان وأهميته الإقليمية.

عندما بدأت إثيوبيا بإرادتها المنفردة مرحلة الملء الأولى العام الماضي، سجلت محطات المياه انخفاضًا في مستويات المياه بعد أقل من 24 ساعة. يعتبر السودان اقتصادًا زراعيًا بالدرجة الأولى ويبلغ فيه معدل الفقر المُدقع نحو 13.5%. من ثم فإن تهديد قطاعه الزراعي سيكون كارثيًا. استمر القلق السوداني في التصاعد والآن يبلغ ارتفاعًا حادًا مع التطورات التي انطلقت من جراء الصراع الداخلي المتصاعد في إثيوبيا. إذ تدفق ما يقرب من 60 ألف لاجئ إثيوبي عبر الحدود إلى السودان، وهو بلد يمر بمرحلة انتقالية هشة مع اقتصاد كان بالفعل في عامه الثاني من النمو السلبي قبل أن يوجه له وباء كورونا ضربة أخرى. إضافة إلى مشاكل الحرب الأهلية التي تختمر على حدودها. كما أدى النزاع الحدودي المستمر منذ عقود، في منطقة الفشقة، إلى طفرات من الاعتداءات العسكرية عبر الحدود الإثيوبية – السودانية، مما يهدد بتحويل الصراع الداخلي إلى صراع إقليمي.

رغم ذلك، يشهد السودان حاليًا بروزًا في صورته الإقليمية. في 31 مارس/آذار رحب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن "بفصل جديد" في العلاقات الثنائية، تسارع مع دخول السودان في الاتفاقيات الإبراهيمية وموافقته على دفع تعويضات عن الهجمات المرتبطة بالقاعدة. ساعدت الزيارة الأخيرة التي قام بها المبعوث الأمريكي إلى السودان دونالد بوث في ترسيخ هذه الصورة الإقليمية الجديدة.

كما كثفت مصر والسودان أيضًا من تعاونهما على الجبهات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، وكان آخرها المناورات الجوية المشتركة "نسور النيل 2" في شمال السودان. وقد يبدو جليًا أن التصور الآن هو تقديم جبهة موحدة في مواجهة إثيوبيا لمحاولة إضعاف نهجها الأحادي.

وفي سياق احتمالية التدخل الدولي المتزايد في النزاع – أشارت الولايات المتحدة إلى أنها تولي اهتمامًا وثيقًا وهناك أيضًا عروض عربية للمساعدة في الوساطة – وتصاعد الإدانة الدولية للصراع وانتهاكات حقوق الإنسان الناتجة عنه في إثيوبيا، فإن هذه التطورات قد اكتسبت أهمية متزايدة. وهكذا فإن تزايد أهمية السودان الإقليمية، وتنامي تعاونها الثنائي مع مصر، والعزلة الإثيوبية المحتملة، ربما ينتج عنها، إن لم يكن حلًا، فعلى الأقل تغيرًا في مضمون المناقشة.