هناك مثل بالعامية المصرية يقول "ضربتين في الرأس توجع". في الأسبوع الماضي، كان على مصر أن تكافح مع حادثين رئيسين، أحدهما كان تحت أنظار العالم.

الحادث الثاني، جنوح ناقلة النفط العملاقة، إيفر جيفين المملوكة لشركة يابانية، في قناة السويس، كان له نهاية سعيدة نسبيًا، حيث تم الحفر لإخراج السفينة وإعادته تعويمها بحرية بحلول ظهر يوم الاثنين بتوقيت القاهرة، بعد جهود متواصلة على مدار الساعة لمستشارين مصريين جنبًا إلى جنب مع نظرائهم اليابانيين والهولنديين. استحوذت الأزمة على اهتمام العالم طوال الأسبوع الماضي. السفينة، وهي تماثل في الحجم تقريبًا مبنى إمباير ستيت، إذا أوقفت عموديًا على أحد طرفيها، قد جنحت بطريقة ما بوضع مائل لتغلق القناة مثل السدادة، مما أدى إلى تكدس حركة المرور من خلفها. أن يستلزم حل تلك الحالة ستة أيام فقط، فإن هذا يعد نعمة مقارنة بالأسابيع التي كان من الممكن أن يستغرقها إذا توجب تفريغ شحنة السفينة. من الصعب أن نبالغ في تقدير حجم الضرر المحتمل. إذ تعد قناة السويس أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، ولربما تكون هي الأكثر بروزًا بينهم. يمر عبرها 12% من التجارة العالمية وهي نسبة هائلة. ومن ثم، فإن العواقب كانت جسيمة للغاية: تقدر تكلفة الإغلاق بنحو 6 – 10 مليار دولار في اليوم. كان على سوريا أن تبدأ في ترشيد استهلاكها للوقود. واضطرت العديد من السفن إلى إعادة توجيه مسارها للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح – وهي رحلة محفوفة بالمخاطر تقطع 5500 ميل وتستغرق وقتًا أطول بـ10 أيام، كما يتم إنفاق 26 ألف دولار كتكلفة إضافية ضخمة لثمن الوقود يوميًا. وحتى مساء الأحد، كانت 369 سفينة ما تزال مكدسة خلف السفينة إيفر جيفين، من بينها 25 ناقلة نفط. وبالنسبة لمصر، تقدر الأضرار بنحو 16 مليون دولار يوميًا والتي لا تستطيع الدولة توفيرها.

لكن جنوح السفينة رغم كونه حادثة مؤسفة فهي الآن في طريقها إلى الحل. غير أن الحادثة الأخرى التي وقعت الأسبوع الماضي تتضمن إشكاليات نتج عنها مآسي متكررة دون حل نهائي يلوح في الأفق.

في 26 مارس اصطدم قطاران في مشهد أصبح مألوفًا بشكل مقلق في خطوط السكك الحديدية المصرية. نادرًا ما تقع الحوادث في قطارات الدرجة الأولى والثانية المخصصة لميسوري الحال، لكنها تحدث في قطارات الركاب من الدرجة الثالثة التي تجتاز في المحافظات. في هذه الواقعة، يبدو أن أحد المسافرين قام بسحب فرامل الطوارئ، مما أدى إلى توقف مفاجئ للقطار، ومن ثم يرتطم به قطار آخر جاء من خلفه. بلغ عدد القتلى 19 (بعد تعديله عن العدد الأول وهو 36 والذي يبدو أنه استند على تقدير رجال الإنقاذ والمارة المدنيين في موقع الحادث) و185 جريحًا. غير أنه في اليوم التالي، أقر وزير النقل، اللواء كامل الوزير، بأن أحد العوامل الرئيسية في الحادث كان تعليمات الوزارة للسائقين؛ من أجل الالتزام بالجدول، أصدر الوزير تعليمات بالتعليق الجزئي لنظام التحكم الآلي في القطار (ATC)، وهو آلية أمان للطوارئ تسمح لأبراج التحكم بوقف القطار تلقائيًا في حالة حدوث أمر ما. كان سائقو القطارات قد أفرطوا في استخدام ATC عقب حادث في محطة رمسيس بالقاهرة العام الماضي ارتكبه سائق أوقف تشغيلATC ، مما أدى إلى إصابة 13 شخصًا وتلقى السائق حكمًا بالسجن. وفقًا لموقع مدى مصر، أدى ذلك إلى اعتماد السائقين بشكل كبير على ATC "مما تسبب في تأخيرات كبيرة في موعد القطارات في جميع أنحاء البلاد"، لا سيما عند دخول محطة رمسيس بالقاهرة والخروج منها. في ذلك الوقت، نقلت الصحف عن السائقين الذين أوضحوا أن الأعطال في أجهزة الإشارات على طول خطوط السكك الحديدية تعني أنه عند استخدام نظام ATC، تتوقف القطارات بشكل متكرر، لذلك اعتادوا على إيقاف تشغيله لتجنب حدوث تأخيرات كبيرة. تدخل الوزير في ذلك الوقت لحل مشكلة التأخير. قال الوزير بعد ذلك إنه لن "يتسامح مع إراقة الدماء" من خلال العمل بدون ATC وأن التكنولوجيا تبطئ سرعات القطارات إلى 8 كيلومترات في الساعة، وإذ تم تنفيذها في جميع أنحاء السكك الحديدية في مصر، فإنها ستؤدي إلى زيادة أوقات السفر بنسبة تصل إلى 25%.

إن تقديم الخيار للمسافرين بين الوصول ببطء أو عدم الوصول على الإطلاق يتركهم أمام خيارات أقل بكثير مما هو منشود. كذلك لا يبدو من المنطقي معاقبة موظفي السكك الحديدية لاتباعهم التعليمات التي أعطتها لهم الوزارة، في ضوء تصريحات الوزير بأن "المسؤولين عن الحادث سينالون العقاب". إن منظومة السكك الحديدية في حاجة ماسة إلى إصلاح شامل. ونظرًا لأنه مشروع ضخم ومكلف، فمن الواضح أنه باستمرار يتم تنحيته جانبًا لصالح مشاريع أكثر سلاسة أو بريقًا، مثل المدن الجديدة أو الطرق السريعة. غير أن الوزير قال إنه تم تخصيص 225 مليار جنيه لتطوير السكك الحديدية "لمنع تكرار الحوادث". يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الخطة ستؤتي ثمارها بالفعل.