مضى قرابة الشهر على العمليات العسكرية التي تشنها قوات النظام السوري وحلفائها، بدعم جوي من الطيران الروسي في البادية السورية، في محاولة للقضاء على خلايا تنظيم "داعش" المنتشرة في تلك المناطق، لكن تلك الهجمات لم تُثمر عن نتائج تذكر حتى اللحظة.

الهجمات العسكرية للقوات المعادية للتنظيم لم تتغير على الصعيدين العملياتي والاستراتيجي، فقد اقتصرت على عمليات توغل لقوات برية بأسلحة خفيفة ومتوسطة، بغطاء جوي من طائرات حربية روسية تُمهد بعمليات قصف جوي، وطائرات مروحية مرافقة للقوات المتقدمة برياً تحسباً لهجمات التنظيم الدفاعية.

العملية التي انطلقت من محافظة ديرالزور بداية شهر فبراير / شباط، لازالت تراوح مكانها في البوادي الجنوبية للمحافظة وبالقرب من مدينة السخنة في ريف حمص الشرقي، واستمرارها على هذا الشكل يجعل أطراف الصرع تحتاج لفترة زمنية كبيرة لتمشيط المساحات الصحراوية المتبقية في حمص وحماة وشرقي محافظة السويداء التي ينشط فيها التنظيم.

غياب النتائج الملموسة للعمليات العسكرية يعود لعدة أسباب، منها ما يتعلق بعقلية القوات المهاجمة وأخرى تتعلق بتعامل التنظيم مع تلك الهجمات، حيث يُصر معسكر النظام السوري وحلفائه على خوض حرب جزئية في البادية السورية، الهدف منها فقط تأمين طرق أمداده العابرة للبادية خاصة طريق دمشق _ ديرالزور وطريق الرصافة _ أثريا.

تركيز النظام على خوض حرب جزئية في المناطق المحيطة بطرق الأمداد، يترك للتنظيم آلاف الكيلومترات في المساحات الجغرافية البعيدة عن تلك الطرق، للانكفاء إليها لتفادي المواجهة مع قوات النظام وحلفائها، خاصة مع وجود سلاح الجو الذي قد يفتك بمقاتليه في البوادي المفتوحة.

تنظيم "داعش" تمكن من تجنب الهجمات في بادية ديرالزور، عبر عمليات المناورة وتغيير الموقع، حيث قام بسحب قواته من المناطق المستهدفة في البادية المحيطة بطريق دمشق _ ديرالزور، ونقلها إلى مناطق العمق الصحراوي في ملتقى الحدود الإدارية لمحافظات حمص والرقة وديرالزور، وهي مناطق لا يستفيد النظام منها ووجود التنظيم داخلها لا يهدده ودخولها يعتبر مخاطرة للقوات المهاجمة، بسبب طبيعتها التضاريسية المعقدة.

انسحاب التنظيم من بادية ديرالزور نتيجة العملية العسكرية كان له نتائج إيجابية وأخرى سلبية، أما النتائج الإيجابية كانت في صالح قوات النظام السوري في المحافظة، حيث شهد شهر فبراير / شباط الماضي انخفاض هجمات التنظيم بمعدل 90% في تلك المناطق، لكن النتائج الإيجابية شرق البادية انعكست سلباً على غربها، حيث كثف التنظيم هجماته في باديتي حمص وحماة والتي سجلت اعلى المعدلات منذ مطلع عام 2021.

حرب التامين الجزئية التي تخوضها قوات النظام السوري وحلفائها، تتبع فيها أسلوب عسكري تقليدي يعرف بـ "الوثبات"، يقوم هذا التكتيك على انتقال القوات المهاجمة من نقطة إلى نقطة أخرى في خط عرض أو طول لمسافات معينة، قوات النظام اعتمدت على وثبات وصلت إلى 20 كم، وهذه وثبة طويلة جداً في المعيار العسكري.

أسلوب الوثبات أدخل القوات المعادية للتنظيم في إشكاليات كبيرة، أول تلك الإشكالات هو توقف "الوثبة"، نتيجة العوارض الطبيعية مثل الجبال والوديان والتي تحتاج لعمليات تمشيط دقيق للتأمين قبل الانتقال للخطوة الثانية، وهذه يتطلب فترات زمنية طويلة تؤخر سير العمليات العسكرية، وهذا ما يفسر المدة الزمنية الطويلة التي استهلكتها قوات النظام والتي زادت عن شهر، لتمشيط مسافة 60 كم طول بـــ 170 كم عرض جنوب ديرالزور.

الإشكالية الثانية أن أسلوب التقدم السريع عبر الوثبات، يجعل القوات المهاجمة مكشوفة من الجهة الخلفية، ما يتركها عرضة لعمليات مضادة من التنظيم تستهدفها أو تستهدف مراكز وجودها الرئيسي التي تعتبر خطوط دعم العمليات، وهذا ما استغله التنظيم في هجومه في العشرين من شهر فبراير، حين هاجم عبر خلاياه التي توغلت في الخطوط الخلفية للقوات المهاجمة، وتمكن من قتل أربعة عناصر من الحرس الثوري الإيراني داخل نقطة حراسة قرب نهر الفرات في مدينة العشارة.

إن النظام وحلفائه بالرغم من تفوقهم العسكري على التنظيم، إلا أن التنظيم يملك نقطة مهمة من شأنها تذليل الفارق العسكري، وهي المعرفة بالتفاصيل الجغرافية للبادية والقدرة على المناورة داخلها، على عكس الطرف الأخر الذي يفتقد لتلك المعرفة، كما أن التنظيم يتفوق في الحرب الصحراوية نتيجة تراكم خبرات طويلة من المرحلة العراقية والسورية، بينما قوات النظام وحلفائها وأن تملكوا مهارات حرب العصابات لكن في أطار حرب المدن واليس الصحاري.

تنظيم "الدولة" لن يستمر في حالة المناورة والانكفاء طويلاً، فهي مرحلة فرضتها ظروف المعركة الحالية، لكنه سيعود إلى هجماته والانتشار في المناطق التي انسحب منها، خاصة أنه يدرك أن القوات المهاجمة لن تستمر في هجومها وسوف تتوقف عنه، والمسألة مجرد وقت لا أكثر.

عودة التنظيم سوف تكون لاستكمال مشروع حربه المرحلية القائمة على استنزاف النظام وحلفائه، حرب يراهن فيها التنظيم على قدرته في المواجهات غير المحسومة والتي تمتد لفترات زمنية طويلة، من دون آفاق واضحة للنصر أو الهزيمة، مكرراً تجاربه السابقة في مرحلة الانكفاء في العراق ما قبل عام 2010.

إن هدف تنظيم "داعش" الحالي وفي المستقبل القريب سوف يكون إخلال توازن وزعزعة وإزعاج خصومه في البادية، وتفتيتهم مادياً ومعنوياً والاقتراب من أماكن وجودهم من اتجاهات لا يتوقعونها، وهذه تطبيق لاستراتيجية المواجهة غير المباشرة التي يعمل عليها منذ انهياره في 2017، والتي تجنبه الخسائر البشرية في صفوفه، وتتركه يتحين فرصة مواتيه تعيده إلى واجهة الأحداث كما حصل في سورية والعراق في وقت سابق.

Read in English