كان ظهيرة يوم دافئ من شهر سبتمبر/أيلول في بيروت، عندما شاهدت أنا ومعظم الناس في الشرق الأوسط الصور التي تبث عبر القنوات الفضائية للهجمة الأولى ثم الثانية والثالثة، في نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر/أيلول 2001. شعرت، أنا والكثيرين من حولي، بالذهول والصدمة الشديدة من حجم الخسائر في الأرواح، ومن تهور أولئك الذين نفذوها. بعد الهجمات على السفارات الأمريكية في إفريقيا، وبعد الهجوم الأول غير المُتقن على البرجين التوأمين في فبراير/شباط 1993، بالنسبة لمن منا يتابع سياسات الشرق الأوسط والجماعات المتطرفة، لم تكن الهجمات في حقيقتها بمثابة مفاجأة بشكل كامل، ولكن كان نطاقها وتأثيرها يتجاوز ما يمكن أن يتخيله أي إنسان. لقد كشفت كيف أن مشاكل الشرق الأوسط ومتاعبه لن تبقى حبيسة الشرق الأوسط. وكيف افترضت الولايات المتحدة أن مخاطر الشرق الأوسط لن تضرب أرضها حتى أنها تركت مجتمعها معرضًا بشكل كبير لأن يُضرَب بخطة بسيطة – وإن كانت بارعة – باستخدام الطائرات المدنية الأمريكية، في المجال الجوي الأمريكي، ضد أهداف أمريكية كبرى، مدنية وعسكرية.

كان باستطاعتنا أن نرى أن الهجوم نفسه سيكون أداة تسويقية قوية بشكل خطير للمتطرفين الجهاديين الذين ابتلي بهم الشرق الأوسط بالفعل. إذ لم يسبق أن لأي دولة، ناهيك عن أي أطراف من غير الدول، أن وجهت ضربة للبر الرئيسي للولايات المتحدة بأي درجة من هذا القبيل منذ أوائل القرن التاسع عشر. وبالفعل، كانت بمثابة صرخة استنفار قوية أدت إلى تضخم صفوف القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية لاحقًا هو الآخر.

لم نتمكن من توقع رد الإدارة الأمريكية، لأنه لم يكن قد تم صياغته بعد. ولكن عندما اتخذت إدارة جورج دبليو بوش القرار أولًا بإسقاط طالبان، ثم غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين هناك، أصبح من الواضح أن التغيير العميق في السياسة الذي ستحدثه الهجمات سينتهي به الأمر بتحقيقه تأثير جيوسياسي أكبر بكثير من الهجمات المروعة والمأساوية نفسها. وبينما أصبحت الولايات المتحدة مُنهكة وغارقة في كل من أفغانستان والعراق، بدا أن أسامة بن لادن قد حصل من أمريكا على الصعود والتأثير الذي كان يحاول أن ينتزعهما.

لم تبدأ آفة التطرف الجهادي العنيف في 11 سبتمبر/أيلول. فبالنظر إلى المشهد الأكبر، نجد أن هذه الآفة نشأت إلى حد كبير بسبب الظروف المعقدة في عام 1979. في ذلك العام، وافقت الولايات المتحدة وباكستان والسعودية على تسليح الجهاديين السُنّة ضد السوفييت. وقررت الجمهورية الإسلامية الجديدة في إيران تسليح الجهاديين الشيعة لنشر قوتها ونفوذها في المنطقة.

إن تأثير رد الفعل الأمريكي – أو المبالغة في رد الفعل – على الهجمات يمكن أن يتركز على الحروب في أفغانستان والعراق. أكملت الحرب التي استمرت 20 عامًا في أفغانستان دورة كاملة. في الواقع، انتصرت القاعدة وحلفاؤها السابقون من حركة طالبان. وهذا في حد ذاته سيكون دفعة كبرى لتجنيد الجماعات الجهادية العنيفة. أما في العراق، فالمحصلة أكثر تعقيدًا، لأن الفائز الجيوسياسي الرئيسي هناك كان ولا يزال هو إيران.

لقد تأثر العالم والشرق الأوسط بشدة بأحداث سبتمبر/أيلول 2001 وبالتغيير الذي أحدثته في سياسة الولايات المتحدة. سيتعين علينا أن نرى في الأشهر المقبلة كيف يسمح انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان بإعادة تموضعها وإعادة توجيهها؛ في أي اتجاه تختار طالبان الذهاب؟ وكيف تتطور السياسة الإيرانية بعد فوز إبراهيم رئيسي سواء بالعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة مع الولايات المتحدة أو بدونها.

د. بول سالم هو رئيس معهد الشرق الأوسط