كثيرًا ما تتباين الأخبار الواردة من العراق بين الجيد والسيئ للغاية. إذ تتناوب النجاحات والكوارث في دورة إخبارية منتظمة، ولم تكن الأيام القليلة الماضية استثناءً. ففي 18 أبريل/نيسان، كشفت معلومات مسربة لوسائل إعلامية أن العراق استضاف محادثات مباشرة في 9 أبريل/نيسان بين وفدين إيراني وسعودي، لمناقشة أزمة اليمن في المقام الأول. وفي 25 أبريل/نيسان، شاهدنا الصور المروعة للحريق في مستشفى ابن الخطيب، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 82 شخصًا، العديد منهم من مرضى كوفيد-19، إلى جانب مئات الجرحى.

إذا كان الاجتماع الإيراني السعودي في بغداد نتيجة دبلوماسية عراقية قديرة وذكية، فإن مأساة المستشفى هي نتيجة للفساد المستشري وثقافة الإفلات من العقاب في وسط طبقة سياسية تعاملت منذ عام 2003 مع البلاد ومواردها على أنها غنائم الحرب الخاصة بهم.

جاء الاجتماع الإيراني السعودي نتيجة جهد مستمر وطويل الأمد لنزع فتيل التوترات بين السعودية وإيران بقيادة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بالعودة إلى فترة تلويه رئاسة جهاز المخابرات الوطني العراقي. لقد عمل الثلاثة رؤساء للوزراء المتعاقبين في العراق، بدءًا من الدكتور حيدر العبادي، لتعزيز العلاقات بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي ولمنع أن يصبح العراق مسرحًا لحروب بالوكالة في إطار صراع القوى الإقليمية بين إيران والسعودية. إذ يرى السيد الكاظمي أن دوره كوسيط إقليمي بمثابة جزء لا يتجزأ من استراتيجيته "المشرق الجديد" لخلق محور قوة إقليمي جديد يشمل مصر والأردن والعراق.

يكمن التحدي الذي يواجه السيد الكاظمي فيما إذا كانت مكانته المحلية تؤثر على فعاليته كوسيط إقليمي. مأساة المستشفى هي أحدث اختبار لسلطات منصبه. وفي مواجهة الغضب الشعبي المطالب بالمحاسبة عن عدم الكفاءة والإهمال الذي أدى إلى هذه المأساة، عيَّن السيد الكاظمي لجنة برئاسة وزير الداخلية للتحقيق في أسباب الحريق وتحديد الجهات المسؤولة عن الإهمال الذي تسبب فيه. اللجنة مُكلَّفة بتقديم تقرير بنتائجها إلى مجلس الوزراء خلال خمسة أيام. لكن في العراق، مثل هذه اللجان لديها سجل ضعيف فيما يتعلق بقدرتها على تحقيق المساءلة.

ففي النظام السياسي العراقي لما بعد 2003، والذي يقسِّم الوزارات والمناصب البيروقراطية بين رؤساء الأحزاب القلائل الذين يحكمون البلاد، لطالما كانت وزارة الصحة جزءًا من الإقطاعية البيروقراطية الصدرية. وليس من الواضح ما إذا كان السيد الكاظمي يستطيع إجبار وزير الصحة على الاستقالة. إذ يدين الوزير بالولاء أولًا وقبل كل شيء لرئيس حزبه، مقتدى الصدر، وطالما أن الأخير لم يقيله فلن يستقيل.