بينما يشاهد العالم استيلاء طالبان على أفغانستان وما أعقب ذلك من أحداث متلاحقة، يبدو الأمر وكأنه "ديجافو" أو تكرار لمعاناة أبناء هذه الأمة. ومع عودة طالبان إلى وادي باميان، وهو أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو الذي أجاز فيه الملا عمر تدمير تمثالين من القرن السادس لبوذا قبل 20 عامًا، ندرك أننا شاهدنا هذا الفيلم من قبل ونعرف كيف تكون نهايته.

لكن بالنسبة لممثل اليونسكو وعالم الآثار المُخضرم منير بوشناقي، الذي حاول، ولكنه فشل في التفاوض مع طالبان لإنقاذ تمثالي بوذا في عام 2001، فإن هذا تذكير مؤثر بشكل خاص بأن تراث أفغانستان لا يزال في خطر، مثله كمثل سكانها المدنيين الذين أضحوا أسرى لطالبان.

بوشناقي، الذي كان مساعدًا للمدير العام للثقافة في اليونسكو عام 2001، وهو حاليًا مستشار لليونسكو، والمركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية (ICCROM)، والمركز الإقليمي العربي للتراث العالمي، يقول: "من الواضح، في ظل هذ الوضع المُتقلب على الأرض، لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالضبط بما ستفعله طالبان بشأن التراث الثقافي".

وفي حين مازلنا في الأيام الأولى، يقول بوشناقي، الذي كان أيضًا مسؤولًا عن حماية التراث في أعقاب غزو العراق عام 2003، وكذلك في كوسوفو 2003-2004: "أنا على اتصال بمدير المتحف الوطني في كابول (والذي تعرض للنهب والتخريب من قِبَل حركة طالبان في عام 2001)، وأعلم أن المقتنيات الأثرية آمنة ومحمية في الوقت الحالي".

نشر المتحف الوطني الأفغاني على صفحته على فيسبوك في 15 أغسطس/آب أن "الموظفين والقطع الأثرية وبقية مقتنيات المتحف في أمان"، لكنه أشار أيضًا إلى أن "استمرار هذا الوضع الفوضوي يسبب قلقًا كبيرًا بشأن سلامة القطع الأثرية في المتحف". ودعا البيان إلى أنه على "قوات الأمن والمجتمع الدولي وطالبان والأطراف الأخرى المؤثرة" ألا "تدع الانتهازيين يستغلون هذا الوضع".

أما مدير المتحف فهيم رحيمي فقال في مقابلة في 20 أغسطس/آب إن طالبان نشرت حراسًا خارج المتحف، لكن في منشور أحدث على فيسبوك أضاف أنه "لضمان سلامة المقتنيات، سيظل المتحف مغلقًا لبضعة أيام".

مفترق طرق للحضارات

على الرغم من تأكيدات المتحدث باسم طالبان سهيل شاهين في 16 أغسطس/آب بأن "المواقع البوذية في أفغانستان ليست في خطر"، وأنه يدحض أي ادعاء في هذا الصدد، فإنه منذ ذلك الحين، ظهرت تقارير عن نهب طالبان لمستودع في وادي باميان. بالإضافة إلى التجاويف الفارغة التي كانت تحوي من قبل أكبر تماثيل لبوذا قائم في العالم، فإن الوادي يحتوي على ثروة من القطع الأثرية الأخرى، بما في ذلك مجموعة كاملة من الكهوف والأديرة والأضرحة المزينة بألوان زاهية من قِبَل الرهبان الذين كان يمارسون تأملاتهم فيها ذات يوم.

Cultural Landscape and Archaeological Remains of the Bamiyan Valley
زخارف بأحد الكهوف في وادي باميان. حقوق الطبع والنشر للصورة من قبل اليونسكو تحت رخصة Creative Commons Attribution-ShareAlike 3.0 IGO

 

المنطقة هي أيضًا معقل الهزارة، وهي الأقلية الشيعية المُضطهدة من قِبَل طالبان. وفقًا لتقارير محلية في باميان، فقد فجَّر مقاتلو طالبان في منتصف أغسطس/آب تمثالًا لعبد العلي مزاري، زعيم الهزارة الذي قتلته طالبان في عام 1995.

ثم جاءت تقارير عن احتلال طالبان للقلعة في مدينة هرات القديمة، المُدرجة في قائمة التراث العالمي المؤقتة إلى جانب مواقع أخرى مثل مجمع المصلى مع ضريح الإمبراطورة غوهرشاد ومسجد الجمعة الذي يعود إلى عصر الغوريين. فيما يتعلق بالقلعة، والتي احتلتها العديد من القوى والإمبراطوريات على مر القرون ودُمرت وأعيد بناؤها عدة مرات، فقد تم تجديدها مؤخرًا بواسطة صندوق الآغا خان للثقافة. لا يسع المرء إلا أن يأمل بألا تكون عملية الترميم المضنية ضحية أخرى لسيطرة طالبان.

في 18 أغسطس/آب، أصدرت المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، بيانًا دعت فيه إلى "صون التراث الثقافي في أفغانستان بكل ما يزخر به من تنوع، في إطار الاحترام الكامل للقانون الدولي، وإلى اتخاذ كل الاحتياطات الضرورية لاستثناء وحماية التراث الثقافي من الضرر والنهب".

كما كتبت أيضًا عن الأمة التي كانت مفترق طرق للحضارات الهندية والصينية والأوروبية، "أفغانستان بلد يحتضن طيفًا واسعًا من معالم التراث الغنية والمتنوعة التي تعتبر جزءًا أصيلًا من التراث والهوية الأفغانيتين، ناهيك عن أهمية هذا التراث بالنسبة للبشرية جمعاء، الأمر الذي يستدعي حمايته وصونه".

غير أنه، وبما أن الأمم المتحدة لم تعترف بنظام طالبان الجديد في أفغانستان، وحيث إن ثلث موظفي الأمم المتحدة قد تم نقلهم الآن إلى كازاخستان، فإن خبراء التراث يتساءلون كيف سيتم تنفيذ قرار اليونسكو.

محاولة التفاوض مع طالبان

بينما تتواصل الحكومة الأمريكية الآن مع طالبان، كتب بوشناقي في كتابه عن تجربته في أفغانستان، Patrimoines mutilés"في 2001، وبعد أن هدد الملا عمر بتفجير تماثيل بوذا قبيل عيد الأضحى (وقال إن "كل التماثيل والمزارات غير الإسلامية في شتى مناطق الإمارة الإسلامية يجب تحطيمها" لأنها كانت موضع عبادة أناس من معتقدات دينية غير إسلامية وبالتالي كانت "أصنامًا")، ولم تكن هناك قنوات رسمية مفتوحة للتفاوض مع حركة طالبان. لم نتمكن من السفر لمقابلتهم حيث لم يُسمح لنا بلقاء حكومة غير معترف بها من قِبَل الأمم المتحدة".

فكان البديل كما يوضح بوشناقي أنه في أثناء زيارته إلى نيويورك من مقري إقامته في البحرين وباريس، "أرسلنا مبعوثًا خاصًا إلى قندهار". لم يكن هذا المبعوث الخاص سوى السفير الفرنسي السابق في باكستان، بيير لافرانس، وهو دبلوماسي ولغوي ماهر يتمتع بمعرفة متميزة باللغات والثقافات والسياسة الإقليمية. وبينما كان وزير الثقافة في حركة طالبان في استقبال لافرانس في قندهار، رفض الملا عمر مقابلته. عاد لافرانس بعد ذلك إلى باريس عبر السعودية – ليرى ما إذا كان باستطاعته التفاوض مع جهات الاتصال هناك.

يوضح بوشناقي: "اعتقدنا أن طالبان قد ترغب في الحصول على اعتراف من الأمم المتحدة، وأن إنقاذ تماثيل بوذا سيكون وسيلة لتسهيل ذلك".

لكن مع الأسف، فشلت كل الجهود.

مع دقات عقارب الساعة – جاء إعلان الملا عمر في 27 فبراير/شباط 2001، وكان من المقرر أن يبدأ عيد الأضحى في 5 مارس/أذار من ذلك العام – أمضى بوشناقي وزملاؤه أسبوعًا بلا نوم في وضع خطط بديلة الواحدة تلو الأخرى. وتحت رعاية كويشيرو ماتسورا، الذي كان وقتها المدير العام لليونسكو، انعقد اجتماع لسفراء الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي البالغ عددها 54 دولة، واحتج جميع الأعضاء بشدة على الهدم الوشيك للتمثالين. حتى باكستان والسعودية والإمارات – الدول الثلاث التي اعترفت رسميًا بحكومة طالبان – انضمت إلى الاحتجاج، وأدانت التدمير الوشيك لتمثالي بوذا ووصفوا هذا الإجراء بأنه "غير إسلامي".

عندما أخفقت هذه الجهود في إقناع طالبان، ظهرت فكرة أخرى. إذ توجه وفد من 12 من كبار القادة المسلمين إلى قندهار على متن طائرة من قطر في 1 مارس/أذار، على أمل التدخل. يا للأسف، رفض الملا عمر استقبالهم، كما يقول بوشناقي، متهمًا إياهم بأنهم "عملاء لأمريكا".

تجاهلت طالبان عروض نقل التمثالين إلى الهند أو اليابان أو حتى متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، كما تجاهلت المناشدات الشخصية من كوفي عنان والدالاي لاما وزعيم التحالف الشمالي أحمد شاه مسعود (الذي ظهر ابنه الآن كلاعب سياسي)، وحتى من ملك أفغانستان السابق. ففي تصريح صحفي نادر من منفاه في روما، قال محمد ظاهر شاه إن تدمير التمثالين "يتعارض مع المصالح الوطنية والتاريخية للشعب الأفغاني".

قبل أقل من 24 ساعة من عيد الأضحى، اتصل بوشناقي بوزيرة الشؤون الاجتماعية الباكستانية، عطية عناية الله، التي كانت عضوة في المجلس التنفيذي لليونسكو. يروي بوشناقي: "قلت لها، إننا نواجه وضعًا مروعًا. باكستان لديها صلات مع طالبان. فهل باستطاعتك أن تفعلي شيئًا؟ هل يمكنكِ أن تخبري الملا عمر أن ما يفعله سيكون له عواقب وخيمة وسيؤدي إلى تفاقم التوترات مع اليابان والهند وسريلانكا ونيبال والعديد من الدول الأخرى التي تضم سكانًا بوذيين مهمين".

ومن خلال تدخلها، توجه وزير الداخلية الباكستانية إلى قندهار للترافع في قضية اليونسكو لإنقاذ التمثالين، لكن هذا الجهد لم ينجح هو الآخر.

"شعرت أن قلبي يتحطم"

في اليوم التالي، 2 مارس/آذار، بدأت حركة طالبان تدميرها التدريجي والوحشي للتمثالين العتيقين، باستخدام الديناميت في البداية.

يتذكر بوشناقي مشاهدة المشهد المرّوع على قناة الجزيرة. يقول: "شعرت أن قلبي يتحطم".

يروي أنه تعرض للهجوم شخصيًا في افتتاحيات الصحافة الفرنسية في ذلك الوقت، حيث سأله النُقّاد: "لماذا لم تذهب أنت شخصيًا وتقف أمام تمثالي بوذا وتطالب بحمايتهما؟"

فيما يمكن اعتباره نسخة أكثر مأساوية من فيلم "The Monuments Men" – وإن يكن بمسحة من الإخراج الفرنسي وبنهاية أكثر مأساوية وأقل اتباعًا لأسلوب هوليوود – تم تنفيذ التدمير على مراحل. بعد تفجير التمثالين بالديناميت، انتقلت حركة طالبان إلى استخدام المدافع المضادة للطائرات والمدفعية، مما تسبب في أضرار كبيرة لكن لم يدمرهما بالكامل. في ذلك الوقت، اشتكى وزير إعلام طالبان من أن "عمل التدمير هذا ليس بالبساطة التي قد يعتقدها الناس. لا يمكنك هدم التماثيل بالقصف لأن كلاهما منحوت في تجويف، وهما متصلان بشدة بالجبل".

ويشير بوشناقي لملحوظة عن تدمير تمثالي بوذا، اللذين نجيا حتى من الغزو المغولي، "لقد كانت بمثابة سابقة لم يحدث مثلها في العالم الإسلامي، أن يكون هناك مثل هذا العمل التدميري".

خلال الهجمات البربرية على مواقع التراث العالمي، والتي تصاعدت إلى حد وضع ألغام مضادة للدبابات في أسفل تجويفي التمثالين في بطن الجبل، وكذلك إطلاق صواريخ على وجه تمثالي بوذا، قال الملا عمر: "ما الذي تشتكون منه؟ إنما نحن نشن حربًا على أحجار".

أفغانستان اليوم

ولكن الآن، بعد 40 عامًا من الصراع، أصبحت الحرب تُشَن على الشباب الأفغاني وعلى الطبقات المتعلمة في أفغانستان وهم من يشكلون التراث غير المادي للأمة المنقسمة التي يهتم بها بوشناقي. إنهم يفرون بالآلاف، وهو قلق بشأن ما قد تعنيه تلك "الهجرة للأدمغة" على مستقبل البلاد.
وبينما ترك عمل بوشناقي وغيره من خبراء التراث على مدى العقدين الماضيين أفغانستان في مكانة أقوى بكثير فيما يتعلق بقضايا صون التراث، فإنه يقول إن "أعمال التنقيب والنهب غير القانونية (وهي قضية مستمرة حتى بعد الغزو الأمريكي في عام 2001) تشكل تهديدًا أكبر من طالبان". وبالتالي فهي، كما يقول، هل حالة عدم الاستقرار والفوضى التي خلفها الانسحاب الأمريكي، يستغلها مؤخرًا الفرع المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية، تنظيم الدولة - ولاية خراسان.

يلاحظ بوشناقي اختلافًا مهمًا بين طالبان، التي "خلال فترة حكمها كانت أكثر انخراطًا في التدمير من الاتجار بالقطع الأثرية"، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، الذي "كان لديه جناحه الخاص للتعامل مع التراث الثقافي" – وغالبًا ما انتهى به الأمر ببيع ما لم يفجره في السوق السوداء. لكن في ظل الفراغ الأمني الحالي، كما يقول: "يمكن أن يحدث أي شيء".

يضاف إلى هذه القضايا الأمنية تلك القضايا المتعلقة بضرورة العناية المستمرة، لمواجهة أمور مثل تآكل التربة الذي يهدد مئذنة جام (المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث المهدد بالانقراض)، والتي تشمل ضواحيها أيضًا مقبرة يهودية من القرن الثاني عشر تبرز ماضي أفغانستان التعددي، على عكس الأصولية الخاصة بطالبان. كما أن سنوات الفساد وسوء الإدارة قد أدت إلى إهمال العديد من المواقع التراثية.

ومع ذلك، يقول بوشناقي: "آمل أن يكون الجيل الشاب مختلفًا. آمل أن يكون لدينا الآن فهم أفضل للحفاظ على التراث الإسلامي وغير الإسلامي، كجزء من تراثنا العالمي".

كما يأمل أن قادة العالم، الذين أشار إلى أنهم التزموا الصمت بعض الشيء حتى الآن بشأن هذه المسألة، يمنحوا الأولوية للحفاظ على التراث.

وفي الوقت نفسه، في وادي باميان، حيث تحيط بقايا الجداريات الملونة حواف التجاويف التي كانت من قبل يملأها تمثالا بوذا، فإن توليف الأعمال الفنية من أنماط البوذية والغوبتا الهندية بالإضافة إلى التأثيرات الساسانية والبيزنطية والتركية تعبر عن تراث أفغانستان الثري كجزء من طريق الحرير. التجاويف الفارغة، التي أصبحت آثارًا مدمرة كاشفة لانتهاكات التطرف نفسه، تحتوي أحيانًا على صور ثلاثية الأبعاد بتقنية الهولوجرام لتمثالي بوذا اللذين تم تدميرهما – وسيظل غياب هذه التماثيل ووجودها الوهمي حاضرًا بقوة في مستقبل الأمة الأفغانية.

People watch a 3D projection of the 56-meter-high Salsal Buddha at the site where the Buddhas of Bamiyan stood before being destroyed by the Taliban in March 2001, on March 9, 2021. Photo by WAKIL KOHSAR/AFP via Getty Images.
الصورة بتاريخ 9 مارس/آذار 2021، لأناس يشاهدون عرضًا ثلاثي الأبعاد لتمثال بوذا الذي يبلغ ارتفاعه 56 مترًا في الموقع الذي كان تمثالا بوذا قائمين فيه في باميان قبل أن تدمرهما طالبان في مارس/آذار 2001، Photo by WAKIL KOHSAR/AFP via Getty Images

 

ومن المفارقات، أن تدمير تمثالي بوذا هو الذي دفع إلى المزيد من أعمال الحفريات، حيث تم الكشف عن 50 كهفًا آخر بما في ذلك 12 بها رسومات على جدرانها. وبين أنقاض التمثالين، اكتشف أيضًا فريق من العلماء الدوليين ترجمة القسم الأول من الأصل السنسكريتي للنص البوذي المقدس "Pratityasamutpada Sutra" الذي ترجمه الراهب الصيني تشيونتسانغ في القرن السابع، وهو يوضح أحد المبادئ الأساسية للبوذية: "إن كل شيء زائل".

وفي حين أن مثل هذه الأبعاد الخفية ربما لم تنتبه إليها طالبان قبل عقدين من الزمن، لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن يضع المجتمع الدولي هذا التنظيم موضع المحاسبة على تكرارها لهذه الأفعال.

حداني ديتمارز هي مؤلفة كتاب "الرقص في منطقة حظر الطيران: رحلة امرأة عبر العراق"، وهي محررة سابقة في نيوإنترناشونالست، وتكتب تقارير من الشرق الأوسط عن الثقافة والمجتمع والسياسة منذ عقدين. لديها كتاب قيد التنفيذ بعنوان "بين نهرين"، وهو ينتمي لفن قصص الرحلات السياسية يتناول المواقع القديمة والمقدسة في العراق. الآراء الواردة في هذه المساهمة هي خاصة بها.