يوم الجمعة 28 مايو/أيار افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسجدًا جديدًا في ساحة تقسيم الشهيرة بمدينة إسطنبول في الذكرى الثامنة لاحتجاجات حديقة غيزي المناهضة للحكومة. كقائد شعبوي، يحب أردوغان الرمزية، وفي الوقت الحاضر هو بحاجة إلى مزاعمه للهيمنة والرمزية أكثر من أي وقت مضى لأنه يواجه حاليًا هو وحزبه مشكلات اقتصادية وسياسية محلية حادة. وفي ظل عدم وجود سياسيات ملموسة لمعالجة هذه المشكلات، يسعى أردوغان مرة أخرى إلى استغلال القومية والإسلاموية لحشد قاعدته الداعمة له.

ساحة تقسيم تحتل مكانة رمزية مهمة في تاريخ إسطنبول وتركيا. فالساحة الواقعة في منطقة بيوغلو المعروفة تاريخيًا بطابعها اليوناني والأرميني، هي بمثابة أحد المراكز الترفيهية والثقافية والسياحية في المدينة. يرتفع مسجد تقسيم الجديد إلى نفس ارتفاع الكنيسة المجاورة آيا تريادا الخاصة باليونانيين الأرثوذكس. كما عرفت تقسيم أيضًا بوصفها "ساحة الجمهورية"، لأنها بُنِيت على يد الآباء المؤسسين للجمهورية التركية لإحياء ذكرى حرب التحرير. علاوة على ذلك، تقسيم هو المكان الذي تقام فيه المظاهرات عادة. فاحتفالات عيد العمال في الأول من مايو/أيار والمسيرات النسائية الليلية في الثامن من مارس/آذار، ومسيرات الفخر والمظاهرات التي تنظمها أمهات السبت كلها تقام في ساحة تقسيم أو حولها. وبالنسبة للحركة اليسارية، لها أهمية تاريخية خاصة أيضًا. من ثم، فإن دعاوى أردوغان للهيمنة على ساحة تقسيم لها معنى رمزي.

على مدار فترة حكمه، أصبح حزب العدالة والتنمية يسيطر ليس فقط على الجهاز المؤسسي للدولة، ولكنه غيَّر أيضًا الدولة نفسها والهوية الوطنية لتركيا. من خلال عملية التحول هذه، أصبح الفضاء الحضري موضع حرب للهيمنة على هويات مختلفة.

تلة تشامليجا، أعلى نقطة في إسطنبول، هي موقع مسجد ضخم آخر بناه حزب العدالة والتنمية هو الآخر. بناء المسجدين في هذين الموقعين الرئيسيين في المدينة يتجاوز مجرد الدوافع الدينية البحتة. إذ كان مسجد تشامليجا مشروعًا شخصيًا للرئيس أردوغان. وفي مايو/أيار 2012، أوضح أن الحزب كان يخطط لبناء مسجد ضخم فوق تلة تشامليجا ليمكن رؤيته من كل جزء من أجزاء إسطنبول. أثار هذا المشروع جدلًا وانتقادات داخل المجتمع، خاصة من المعارضين العلمانيين، الذين أثاروا مخاوف بشأن أسلمة المجال العام. بينما لاقى المشروع احتفالًا في الأوساط الإسلامية.

مسجد تشامليجا لديه أيضًا أهمية تاريخية مضافة، لكونه يمثل إعادة إحياء للتقاليد العثمانية. حيث تُعرَف إسطنبول بـ"مدينة التلال السبعة"، في إشارة إلى "المدينة القديمة" (التي لا تشكل تشامليجا جزءًا منها)، وعلى كل تل يوجد مسجد تاريخي عثماني له طابع رمزي. تُعرَف هذه المساجد باسم "مساجد السلاطين"، لأنها بُنيت بواسطة السلاطين أو أفراد أسرهم. بالتالي، فباعتباره مشروع أردوغان الشخصي، يمثل مسجد تشامليجا رمزًا لسلطته وحكمه.

والآن، مع تهاوي شعبية أردوغان في استطلاعات الرأي وتزايد قوة كتلة المعارضة ضده، فإنه يفقد جانبه البراغماتي ويركز أكثر على الإيديولوجيا والرموز.