يتعرض استقرار لبنان حاليا لتهديد أكبر مما كان عليه في أي وقت منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990. الانفجار الهائل الذي شهده مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الجاري الذي أودى بحياة المئات وجرح الآلاف وتسبب بأضرار مادية تقدر بمليارات الدولارات، لم يترك أثرا عميقا على أجساد ومعنويات اللبنانيين فحسب، بل غيّر أيضًا الأطر المرجعية للقوى السياسية المعارضة في البلاد. لقد اتخذ الصراع السياسي الآن بعدا وجوديا.

فالأطراف التي تطالب بإصلاح الطبقة الأوليغارشية التي حكمت لبنان منذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، تقول إن النخب السياسية التي توالت على الحكم لم تقم بإفقار الشعب اللبناني فحسب، بل تتهمها أيضا بالإهمال الإجرامي الذي تسبب في الانفجار.

بالنسبة للمعسكر الموالي للنظام، بقيادة حزب الله، فإن عبارة الإصلاح الشامل هي مجرد كلمة سرية معناها الحقيقي هو نزع الترسانة العسكرية للحزب، وهذا أمر سيقاومه بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو إغراق البلاد مرة أخرى في حرب أهلية.

يتم حاليا مناقشة السيناريو الذي شهدته سوريا في 2011-2012 في الأوساط الموالية لحزب الله

غير العنيفة التي تدعو إلى إصلاح النظام، لكن يتم الاستيلاء على دعوتها إلى الحرية والكرامة من قبل جهات إقليمية، مما يجعل البلاد مسرحًا بالوكالة لتنافس القوى الإقليمية والدولية على تحقيق وحفظ مصالحها.

دينامية الصراع الداخلي التي كانت موجودة في سوريا في 2011-2012 هي نفسها موجودة اليوم في لبنان: معارضة مدنية غير عنيفة وإن كانت غير منظمة، ترى أن النخب السياسية تشكل تهديدًا لبقائها المادي، تواجه نظامًا لديه ترسانة عسكرية وعلى استعداد للقتال من أجل بقائها. لكن في حالة لبنان، الدولة اللبنانية ليست هي الجهة التي تمتلك الترسانة العسكرية، إنه حزب الله.

الفارق الرئيسي بين سوريا في 2011-2012 ولبنان اليوم والذي يمكن أن يكون بمثابة سبب لعدم تكرار للسيناريو الموصوف أعلاه، هو أن الظروف الإقليمية أقل تقبلا لوقوع أمر مشابه لما وقع في سوريا.

إذ تتعامل البلدان الإقليمية الواقعة على جانبي النزاع مع تحديات انتشار فيروس كورونا وتداعياته على الصحة العامة، كما أنها تواجه مستقبلًا اقتصاديًا صعبًا، وهذا يحول دون مشاركتها في نزاع جديد، بعدما استخلصت دروسًا قاسية من انتفاضات المواطنين التي حدثت منذ عام 2010.

المجتمع الدولي منشغل بالتحديات المحلية وغير مهتم برؤية دولة فاشلة أخرى على حدود البحر المتوسط. وقد كانت الاستجابة الدولية حتى الآن مخيبة للآمال. فمؤتمر المساعدة الذي عقدته فرنسا والأمم المتحدة يوم الأحد الماضي، كان أقل بكثير من التوقعات اللبنانية. إذ بلغت قيمة التعهدات التي قدمتها الدول المشاركة296.71  مليون دولار لكنها بعيدة جدا عن تلبية احتياجات إعادة الإعمار في لبنان، فيما دعا البيان الختامي إلى المساعدة من أجل "تحقيق محايد وموثوق ومستقل بشأن انفجار الرابع من آب.. بناءً على طلب لبنان"،  وبذلك تتنازل عن رفض الرئيس اللبناني إجراء تحقيق دولي في الانفجار.

بالنظر إلى معادلة القوة غير المتكافئة بين المعسكرين المعارضين، لا يمكن لحركة الاحتجاج أن تفرض نوع التغيير الجذري الذي تسعى إليه. فليس هناك مسار غير عنيف لإجبار المعسكر الموالي للنظام على الموافقة على هذا التغيير. علاوة على ذلك، لا أحد من النخب السياسية والاقتصادية، بما في ذلك المعارضون لحزب الله، مهتمون بإحداث هذا النوع من التغيير الجذري.

يواجه لبنان أحد سيناريوهين: سيناريو مشوش يتضمن عملية تفاوضية بين الأطراف المتصارعة، تؤدي إلى استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية دون إعادة هيكلة قواعد اللعبة الحالية. توافق النخب السياسية والاقتصادية بموجبه على بعض التنازلات، خاصة في المجال الاقتصادي على غرار ما يطالب به صندوق النقد الدولي.

على المستوى السياسي، يوافقون على حكومة تكنوقراط جديدة لن تختلف كثيراً عن تلك التي استقالت للتو، كما يوافقون على إجراء انتخابات مبكرة، ويرون فيها وسيلة أخرى لإعادة إضفاء الشرعية على الوضع الراهن.

لن تقلب أي من هذه التنازلات الوضع الراهن. فمعسكر المعارضة يلعب لعبة طويلة الأمد، ويدفع باتجاه الإصلاحات الاقتصادية ويركز على تمرير قانون انتخاب جديد من شأنه أن يزيد فرص الجهات الفاعلة المستقلة في المجتمع المدني، في التنافس على الفضاء السياسي بشكل أكثر فاعلية مما فعلوا حتى الآن.

وهذا يتطلب أن تتظافر جهود مجموعات المعارضة المختلفة حول قيادة ومنصة مشتركة، لكن لم يحدث هذا حتى الآن، ولا يزال هناك صراع داخلي بينهم.

السيناريو الثاني ينطوي على استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مع استمرار سيطرة الأطراف المتناحرة، واستمرار انزلاق البلاد نحو تفكك سياسي واقتصادي، مع بقاء أجزاء كبيرة من بيروت مدمرة بشكل كامل، في ظل حكومة مركزية غير فعّالة ودولة فارغة، بسبب هجرة جماعية للبنانيين المهرة نحو الخارج.

بصيص الأمل الوحيد الذي سطع من الكارثة الإنسانية التي وقعت الأسبوع الماضي يتمثل في استجابة اللبنانين ومبادرتهم إلى مساعدة بعضهم البعض وتنظيف وإزالة الأنقاض من شوارعهم، وتوفير الطعام والمأوى لمئات الآلاف الذين أصبحوا بلا مأوى بسبب الإنفجار.

يتناقض هذا العمل الجماعي المدني المتميز مع عمل الحكومة اللبنانية التي افتقدت تماما لإدارة حقيقية للأزمة والتنسيق للاستجابة لتداعياتها الكارثية على اللبنانيين وعلى لبنان.

Read in English

Photo by Marwan Naamani/picture alliance via Getty Images