سيزور برثلماوس الأول، البطريرك المسكوني للقسطنطينية والزعيم الروحي لما يقرب من 300 مليون مسيحي أرثوذكسي على مستوى العالم، الولايات المتحدة بين 23 أكتوبر/تشرين الأول و3 نوفمبر/تشرين الثاني. وسيعلن بدء الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس أبرشية الروم الأرثوذكس بأمريكا في زيارته الأولى للولايات المتحدة الأمريكية منذ 12 عامًا. ستكون المحطة الأولى للبطريرك المسكوني هي واشنطن العاصمة، حيث من المقرر أن يلتقي بالرئيس جو بايدن في البيت الأبيض. يوفر هذا الاجتماع الشخصي لإدارة بايدن فرصة فريدة ليس فقط لإثارة قضايا حقوق الإنسان والحرية الدينية في تركيا، ولكن أيضًا للرد على المحاولات الروسية لتقويض البطريركية المسكونية، التي يعتبرها الكرملين تهديدًا ويستهدفها بحملات تضليل.

في سبتمبر/أيلول، غادر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نيويورك دون أن يلتقط صورة مع نظيره الأمريكي خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. على الرغم من أن الزعيمين عقدا أول لقاء شخصي لهما بعد انتخاب بايدن رئيسًا على هامش قمة الناتو في يونيو/حزيران، صرح أردوغان في وقت لاحق أن بايدن لم يثر أبدًا قضية السجل الإشكالي لتركيا في مجال حقوق الإنسان. هنا يمكن للاجتماع القادم مع البطريرك المسكوني أن يوفر للرئيس الأمريكي فرصة للعودة إلى وعد إدارته بسياسة خارجية تتمحور حول حقوق الإنسان.

التمييز وانتهاكات الحريات الدينية

تعاني الرعية الآخذة في التناقص للبطريركية المسكونية في اسطنبول من حالة يرثى لها، كما هو الحال بالنسبة لطائفة الروم الأرثوذكس في أماكن أخرى من تركيا. فعلى الرغم من أن معاهدة لوزان لعام 1923 منحت الحماية القانونية وحرية العبادة للأقليات غير المسلمة في تركيا، إلا أن أنقرة فشلت في الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها ليس فقط في معاهدة لوزان ولكن أيضًا بموجب الدستور التركي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. كما انخفض تعداد الروم الأرثوذكس في اسطنبول، الذي كان يبلغ حوالي مائة ألف في العقود الأولى من الجمهورية التركية، إلى أقل من 2000 في أقل من قرن. لقد عانى أبناء الطائفة من المذابح في عام 1955 والطرد القسري في الستينيات، وأصبحوا تدريجيًا مشتتين على مستوى العالم. لا تزال طائفة الروم الأرثوذكس في تركيا تواجه التمييز المنهجي ومصادرة الممتلكات وجرائم الكراهية والتهديدات بالقتل وانتهاكات الحرية الدينية.

لقد أوصى أحدث تقرير سنوي للجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF) بإدراج تركيا في "قائمة المراقبة الخاصة" التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، لارتكابها انتهاكات جسيمة ضد الحرية الدينية أو لتسامحها مع هذه الانتهاكات. من بين القضايا التي تم تسليط الضوء عليها في التقرير، كان تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد في عام 2020، والذي يُعدّ تطورًا ضارًا بشكل خاص للعالم الأرثوذكسي اليوناني. تلك الجماعة الدينية، التي لديها روابط قوية مع التراث البيزنطي المقدس للقسطنطينية، أعلنت تحول آيا صوفيا إلى مسجد بمثابة يوم حداد. كما أدى استخدام المسؤولين الأتراك لخطاب الغزو خلال عملية التحويل إلى المزيد من تقويض مفهوم المواطنة المتساوية ليس فقط بالنسبة لأتباع الكنيسة الروم أرثوذكسية، ولكن أيضًا لجميع الأقليات غير المسلمة في تركيا.

من القضايا الأساسية التي تؤثر على مستقبل المسيحية الأرثوذكسية إغلاق أنقرة لمدرسة هالكي اللاهوتية، وهي المؤسسة الرئيسية للبطريركية المسكونية لتدريب رجال الدين. أغلقت السلطات التركية هذا المعهد اللاهوتي في عام 1971، وعلى الرغم من الضغط الدولي المتزايد، قاومت الحكومة مطالب إعادة فتحها. على مر السنين، أثارت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF) هذه القضية مرارًا وتكرارًا في تقاريرها السنوية. في 29 يوليو/حزيران 2020، في الذكرى الخمسين لإغلاق المعهد، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا حثت فيه تركيا إلى إعادة فتح هالكي، وطالبت أنقرة بالسماح لجميع الجماعات الدينية بتدريب رجال الدين في تركيا دون عوائق. وحيث إن القانون التركي ينص على اشتراط أن يكون جميع أعضاء المجمع الكنسي الذي ينتخب البطريرك المسكوني مواطنين أتراك، فإن حل قضية هالكي أمر بالغ الأهمية للحفاظ على العقيدة ومؤسساتها.

تشتهر تركيا أيضًا بالتدخل في الشؤون الداخلية للأقليات غير المسلمة. ففي عام 2020، تدخلت الحكومة في انتخابات البطريرك الأرمني. ومنذ عام 2013، منعت الحكومة التركية مؤسسات المجتمع غير المسلم من انتخاب أعضاء مجلس إدارة جدد، مما أعاق عمليات اتخاذ القرارات شديدة الأهمية، بما في ذلك جمع الأموال وتقديم الخدمات الدينية واستعادة الممتلكات المصادرة. إن الافتقار إلى الشخصية القانونية، والتي هي الأساس القانوني للطوائف الدينية لإدارة شؤونها بمسؤولية واستقلالية، يزيد من تفاقم مشاكلها. تعد الشخصية القانونية أمرًا بالغ الأهمية للمجتمعات الدينية في تركيا لتنفيذ إجراءات مهمة مثل إدارة حساب مصرفي وتوقيع العقود وامتلاك العقارات وتأجيرها. وتؤثر قيود الحكومة التركية وتدخلاتها في شؤون المواطنين غير المسلمين في البلاد، بما في ذلك الروم الأرثوذكس، بشكل كبير على حياتهم اليومية ومستقبلهم.

في مايو/أيار 2021، قدم أعضاء مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون HR.3056 – "قانون تركيا والحرية الدينية للبطريركية المسكونية". يسلط مشروع القانون الضوء على أهمية دعم المقر التاريخي للبطريركية المسكونية في اسطنبول ويؤكد أن الحكومة التركية بحاجة إلى تحسين إجراءاتها لدعم استمرارية الكنيسة الأرثوذكسية والحفاظ عليها. يطالب مشروع القانون أيضًا أن تتبع وزارة الخارجية توصية اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF) بأن تضع تركيا على "قائمة المراقبة الخاصة".

مقاومة موسكو

إن لقاء بايدن الشخصي مع البطريرك المسكوني ليس مهمًا فقط للحريات الدينية والعلاقات الأمريكية التركية، ولكن أيضًا للسياسة الداخلية لرئيس الولايات المتحدة ومواقفه تجاه روسيا. حيث إن البطريرك المسكوني هو الزعيم الروحي لنحو 1.5 مليون مواطن أمريكي. طوال حياته المهنية وأثناء حملته الرئاسية، تلقى بايدن دعمًا قويًا من الناخبين من الروم الأرثوذكس. كذلك ثمة علاقة يسودها الدفء بين الرئيس والبطريرك المسكوني، تعود إلى الفترة التي كان فيها بايدن نائبًا للرئيس في عهد الرئيس باراك أوباما. كما كان برثلماوس الأول من بين أوائل الذين هنأوا بايدن على انتخابه رئيسًا. كرئيس منتخب، رد بايدن على البطريرك المسكوني برسالة تضمنت حاشية مكتوبة بخط اليد، أعرب فيها عن شكره لرسالة تهنئة البطريرك المسكوني.

مع أكثر من 100 مليون مسيحي أرثوذكسي بين رعيتها، تعد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أكبر مجتمع أرثوذكسي في العالم. علاوة على ذلك، كما أفاد مركز بيو للأبحاث، فإن معظم المسيحيين الأرثوذكس الآن "يعيشون في بلدان كانت وراء الستار الحديدي خلال الحقبة السوفيتية." منح برثلماوس الأول حق الاستقلال للكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية مما حرم بطريركية موسكو الأرثوذكسية من ثُلث رعاياها البالغ عددها يزيد عن 12 ألف أبرشية. بالنسبة لروسيا، التي تعتبر - تمامًا مثل أوكرانيا – الاتحاد الكونفدرالي القرون-وسطى "كييف روس" بمثابة الأصل الثقافي لها، لذلك فقد شكَّل دعم البطريرك المسكوني لاستقلال الكنيسة الأوكرانية عن موسكو تهديدًا خطيرًا لكل من الأساطير التأسيسية لروسيا وكذلك ادعاءات موسكو بالتفوق الروحي. تزعم وسائل الإعلام الروسية التي تسيطر عليها الدولة أن برثلماوس الأول هو مجرد أداة لتنفيذ مؤامرات الناتو وأمريكا، حتى أنها قالت إن الاعتراف باستقلال الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية يرقى إلى إعلان الحرب على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

خلال الشهر الأول من توليه منصبه كرئيس، صرح بايدن أن أيام "تسليم" الولايات المتحدة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد ولت، مما يشير إلى سياسة أكثر صرامة ضد موسكو. وعلى مر السنين، لم يستهدف الكرملين البطريركية المسكونية بمحاولات القرصنة وعمليات المعلومات فحسب، بل روج أيضًا لمؤامرات حول دوافع برثلماوس الأول. لدرجة أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ذهب إلى حد الادعاء بأن مهمة برثلماوس الأول، "التي أعدها الأمريكيون على ما يبدو ... هي دفن نفوذ الأرثوذكسية في العالم الحديث". وبالنظر إلى أن الحكومة التركية كانت متواطئة مرارًا وتكرارًا مع جهود الكرملين لتقويض البطريركية المسكونية، يجب على بايدن استخدام اجتماعه الشخصي مع برثلماوس الأول للتصدي لطموحات روسيا في الهيمنة ومقاومة الطرق التي يستغل بها بوتين تركيا العضو في الناتو لتحقيق هذه الغاية.

وستختتم زيارة البطريرك المسكوني للولايات المتحدة بحفل افتتاح كنيسة القديس نيكولاس للروم الأرثوذكس في غراوند زيرو بنيويورك. في الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أقام إلبيدوفوروس، رئيس أساقفة أبرشية الروم الأرثوذكس في أمريكا - والذي هو أيضًا مواطنًا تركيًا مثل برثلماوس الأول نفسه - حفل تأبين في الكنيسة، مقدمًا كلمات التعزية والرجاء. وهكذا فإن مراسم التأبين وحفل الافتتاح ينبغي أيضًا أن تكون بمثابة تذكير لإدارة بايدن بأن زيارة البطريرك المسكوني القادمة توفر فرصة فريدة للتواصل ليس فقط مع الروم الأرثوذكس والجالية التركية المؤيدة للديمقراطية في الولايات المتحدة، ولكن أيضًا لضبط سياساته تجاه تركيا وروسيا.

د. توجبا تانييري إردمير (Tuğba Tanyeri-Erdemir) هي باحثة مساعدة في قسم الأنثروبولوجيا بجامعة بيتسبرغ، ومنسقة فرقة العمل المعنية بأقليات الشرق الأوسط التابعة لرابطة مكافحة التشهير، وباحثة غير مقيمة في برنامج تركيا بمعهد الشرق الأوسط. وهي أيضًا تعمل كرئيسة لمشاركة لمجموعة عمل الشرق الأوسط للمائدة المستديرة الدولية للحرية الدينية. الآراء الواردة في هذه المساهمة تعكس وجهة نظر الكاتبة.