تحمل الأزمة في أوكرانيا، من وجهة نظر أنقرة، مخاطر كبيرة، لكنها تنطوي أيضًا على بعض الفرص. إنها ليست أزمة من صنعهم، ولا أزمة رحبوا بها. ومع ذلك، من الواضح أن أنقرة جهَّزت مخططًا أساسيًا لتجاوز العاصفة. من وجهة نظر صانعي السياسة في واشنطن، من المرجح أن تجلب استراتيجيتهم إحباطًا أكثر من تطمينًا.

وفي نفس الوقت، فإن الفهم الأفضل لكيف تأمل تركيا أن تتجاوز الأزمة الأوكرانية يمكن أن يساعد في توضيح بعض النقاشات الجارية داخل واشنطن حول كيفية تصور السياسة الخارجية الجديدة لأنقرة ومكانها داخل حلف الناتو.

في الأشهر الأخيرة، شنت تركيا حملة دولية سعيًا للتلطيف والتصالح، حيث عملت (بدرجات متفاوتة من النجاح) على تخفيف التوترات مع قائمة طويلة من البلدان، بما في ذلك أرمينيا وإسرائيل والإمارات والسعودية ومصر واليونان، وربما على وجه الخصوص، الانخراط في جهد مطول لإعادة تفعيل علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة. بيد أن المدى الذي تمثل فيه هذه الجهود تغييرًا جادًا في لهجة السياسة الخارجية التركية أم إعادة تقويم مؤقتة لمعالجة العزلة والأزمة الاقتصادية تظل مسألة محل نقاش.

على وجه الخصوص، هناك عدد لا بأس به من الأصوات في واشنطن ممن يعتقدون أن التوترات بين تركيا والولايات المتحدة هي ناجمة إلى حد كبير عن سوء التقدير وأن الحليفين في الناتو هما شريكان "طبيعيان" ضد روسيا وإيران. يشير هؤلاء الخبراء إلى أزمة أوكرانيا باعتبارها فرصة مهمة لتركيا والولايات المتحدة للالتقاء حول أهداف السياسة المشتركة. في اعتقادي أن تحليلهم هذا متفائل للغاية بشأن فرص التعاون بين تركيا والولايات المتحدة التي توفرها الأزمة كما أن هذا التحليل يخطئ بشكل جوهري في قراءة عملية التوازن الدقيق التي تنفذها تركيا.

فجزئيًا، تكمن المشكلة في الكثير من تحليلات السياسة الخارجية لتركيا في أنها تركز على ما يشغل واشنطن وليس ما يهم أنقرة. وهذا يعني أن السؤال غالبًا ما يُصاغ في مصطلحات تتخذ شكل صراع الحضارات حول ما إذا كانت تركيا "تنقلب على الغرب". ولكن تفكير تركيا في سياستها الخارجية ليس فيه أي أسرار، إذ ركزت تركيا لسنوات عديدة على توسيع نفوذها الإقليمي في بيئة إستراتيجية معقدة ومتعددة الأقطاب بشكل متزايد. وبينما لا تزال علاقات تركيا مع الغرب ودورها في الناتو تتمتع بقدر من الأهمية، لكنها لم تعد لها سمة الأهمية الوجودية، وبالتأكيد لا يُنظر إليها على أنها قيد على تواصل تركيا مع روسيا أو الصين أو حتى إيران.

في الأزمة الحالية، تتلون سياسة تركيا بطموحاتها طويلة المدى، وبحملتها طويلة المدى لتلطيف الأجواء في مقابل حلفائها الغربيين، وعلاقاتها الاقتصادية القوية مع كل من روسيا وأوكرانيا، ومتاعبها الاقتصادية، وإدراكها أن أي هجوم كبير للغاية ضد روسيا أو حلفائها في الناتو يمكن أن يكون له تكاليف مدمرة. وهنا، تهدف سياسة أنقرة بشأن أوكرانيا إلى محاولة العمل على الجمع بين هذه المصالح المتضاربة. ربما لا تكون مثالية بشكل هائل، لكن المؤكد أنها عقلانية.

في عام 2014، عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم وضمتها، كان رد تركيا، على الرغم من العلاقات التاريخية مع القرم وأقليتها من التتار، هو التزام الصمت التام. لقد رفضت الاعتراف بقانونية ضم روسيا للقرم، لكنها قبلت السيطرة الفعلية لروسيا بتجاهل يحمل درجة من الاستهجان. وعلى الرغم من التوترات الخطيرة في الأشهر التي أعقبت إسقاط تركيا طائرة سوخوي Su-24 الروسية في عام 2015، سرعان ما انتعشت العلاقات بينهما. أحد أسباب ذلك هو أن الرئيس رجب طيب أردوغان ودائرته يبدو أنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة كانت مسؤولة جزئيًا على الأقل عن محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016. على الرغم من الدفء الأخير في العلاقات الأمريكية التركية، لا يوجد سبب للاعتقاد بأن القيادة التركية قد غيرت رأيها. الملاحقة القضائية المستمرة للباحث الأمريكي، هنري باركي، ورجل الأعمال الخيرية التركي عثمان كافالا، تستند في النهاية إلى هذا الاعتقاد. في هذا السياق، كانت العلاقات الأوثق، ولا سيما التعاون العسكري المتزايد، مع روسيا خيارًا غير مفاجئ. في ضوء ذلك، يجب فهم قرار تركيا بشراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400 – تحصين لتجنب الانقلاب، ربما، ولكن الأهم من ذلك، إشارة إلى الولايات المتحدة بأن تركيا كانت قادرة على البحث عن مسار مستقل.

لم يمنع أي من هذا تركيا من التنافس مع روسيا في المجالات الأخرى، بما في ذلك ليبيا وسوريا، لكن أنقرة وموسكو، مع ذلك، حرصتا على إبقاء هذه المنافسة محدودة النطاق. استجابة تركيا للأزمة الحالية تسير على نفس المنوال. فقد كان الرئيس أردوغان ينتقد رد الفعل المتردد لحلف الناتو وفي ذات الوقت صريحًا في إدانته للغزو الروسي.

في واحدة من أكثر التحليلات القيِّمة التي صدرت مؤخرًا لكيفية رؤية النخبة التركية للأزمة الحالية، يجادل سليم كورو بأن "أنقرة لا تنظر بالضرورة إلى عودة الصعود الروسي باعتباره تهديد". وهو يقول:

"هذا لأن منظور أردوغان وكذلك اليمين التركي ككل للعالم، هو أقرب بكثير إلى منظور بوتين منه إلى المنظور الخاص بالنخب الليبرالية الغربية. قد يبدو هذا غير جوهري بالنسبة لواضعي السياسات، لكنه يمثل الخلفية الشعورية لجهاز السياسة بأكمله، وهو ما يعمل على تشكيل التصورات الشعبية والثقافة الاستراتيجية ...

يحلم اليمين التركي بإحياء مجال النفوذ التركي، وإبراز قوة بلادهم عبر ثلاث قارات. عشرون عاما لأردوغان على رأس السلطة سمحت لهم ببث هذه الرؤية في البلاد. فقد هزم الآباء الأتراك المؤسسون القوات الغربية في أرض القتال من أجل بناء جمهورية تعتبر الحداثة الغربية نموذجًا. أما الحكومة الحالية، التي يمكن أن تتبع جذورها إلى اليمينيين الراديكاليين المنشقين عن هذا التقليد، تسعى إلى القيام بالعكس. إنهم يرون الغرب على أنه النموذج المعادي: منافس يجب عكسه، وفي النهاية يتم هزيمته في لعبته ".

وبغض النظر عن هذه الافتراضات الأيديولوجية الكبرى، فإن العامل الأكثر بروزًا في الوضع الحالي، عند النظر إليه من أنقرة، هو الضائقة الأليمة لتركيا. إذ تقع تركيا في خضم أخطر أزمة اقتصادية خلال هذا الجيل، وقد أدت العواقب الملموسة لهذه الأزمة التي أضرت بكل أسرة تقريبًا، إذا ما أصغينا لاستطلاعات الرأي، إلى تقويض شعبية الرئيس أردوغان. مع الانتخابات المقرر إجراؤها في يونيو/حزيران 2023، تصبح الأزمة الاقتصادية الحالية هي أخطر تحد سياسي واجهه أردوغان وائتلافه الحاكم منذ محاولة الانقلاب عام 2016. هنا، على وجه الخصوص، تعتمد تركيا على روسيا في القمح والغاز. وتشهد البلاد بالفعل، لأول مرة منذ عقود، احتجاجات شعبية ضد ارتفاع أسعار السلع الأساسية. حتى كتابة هذه السطور، فقدت الليرة التركية أكثر من 5٪ من قيمتها منذ بداية الغزو. في هذا السياق، تتمتع أنقرة بقدرة محدودة على تحمل الصدمات الاقتصادية وليست لديها رغبة في تقويض العلاقات الاقتصادية مع أوكرانيا أو روسيا.

تحتاج أنقرة، في هذا السياق، إلى تحقيق التوازن بين مجموعة متنوعة من الاعتبارات. فهي تريد وتحتاج إلى الحفاظ على مكانتها في الناتو؛ والتي بدونها، تصبح تركيا مجرد قوة وسطى أخرى ذات طموحات. علاوة على ذلك، تظل أوروبا الغربية الشريك الاقتصادي الأكثر أهمية لتركيا، على الرغم من الجهود التي تبذلها منذ عقود لخلق شركات اقتصادية جديدة. كما أنها لن تفعل شيئًا لإغضاب فلاديمير بوتين وستقاوم أي ضغط لفرض عقوبات اقتصادية على روسيا. ينقسم الخبراء حول ما إذا كان لتركيا الحق القانوني في إغلاق المضائق التركية، التي تربط البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط​، بروسيا وأوكرانيا خلال هذه الأزمة، كما طلبت كييف؛ إذا لم يحدث تغيير جذري في الظروف، فمن المؤكد أن أنقرة لن تفعل ذلك، لأن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى انتقام روسي فوري.

إن سياسة تركيا في هذه الأزمة هي أن تبدو حازمة، ولكن بحذر. إذا تعثر الغزو الروسي بطريقة ما وتمكنت أوكرانيا من الحفاظ على استقلالها، فستحتفظ تركيا بمكانتها في الناتو وستواصل الانخراط في التعاون الاقتصادي مع كل من أوكرانيا وروسيا. أما إذا نجحت روسيا وبدا الناتو بلا أسنان، فسوف ترى النخبة التركية في ذلك دليلاً جديدًا على ضعف الغرب وعجزهم، مما سوف يجعل تركيا تعيد حساباتها الإقليمية طويلة الأجل لتكون متوافقة مع ذلك. إلى حد ما، تشبه سياسة تركيا اليوم سياستها في الحرب العالمية الثانية المتمثلة في "الحياد النشط"، حين قدمت أنقرة اقتراحات لكل من الحلفاء والمحور، متخذة لنفسها موقعًا يضعها في الجانب الفائز في النهاية، دون المخاطرة كثيرًا قبل أن تُحسم الأمور. في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، توازن تركيا بين الطموح والضعف. قد تكون سياسة متشائمة، لكنها ليست سياسة غبية.

هوارد آيسنستات أستاذ مشارك في التاريخ بجامعة سانت لورانس، حيث يدرّس دورات حول تاريخ وسياسة الشرق الأوسط، وهو باحث غير مقيم في برنامج تركيا التابع لمعهد الشرق الأوسط. الآراء الواردة في هذه المساهمة تعكس وجهة نظر الكاتب.