في بلد أخذ نصيبه العادل من العنف، نرى أن ما وقع في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، من محاولة لاغتيال لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، والتي يعتقد المسؤولون الأمنيون العراقيون الآن أنها من صنع الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، قد تجاوزت خطًا أحمر رئيسيًا. جاء هذا الهجوم بعد يومين من توجيه قادة مليشيات عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وقنواتهم الإعلامية المختلفة تهديدات ضد رئيس الوزراء ومسؤولين أمنيين آخرين. واتهموهم بقتل متظاهر واحد على الأقل وإصابة مئات آخرين بينهم رجال شرطة في اشتباكات في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني بين قوات الأمن وأنصار الميليشيات الذين نظموا اعتصامًا في المنطقة الخضراء ببغداد احتجاجًا على ما يزعمون أنه تزوير في الانتخابات. كان أداء كل من عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله ضعيفًا في الانتخابات البرلمانية التي جرت الشهر الماضي وقد استمرتا في نشر رواية حول مؤامرة لتزوير الأصوات نظمها رئيس الوزراء ومستشاروه. ومما يضاعف من فشلهم الانتخابي، إدانة اثنين من عملاء كتائب حزب الله قبل أسبوع بقتل متظاهرين في البصرة في يناير/كانون الثاني 2020، الأمر الذي لابد أنه أثار شعورهم بالقلق من أن المد السياسي يتحرك ضدهم بشكل لا رجعة فيه.

ولعل فكرة أن قتل رئيس وزراء حالي سينقذهم من خسارتهم ويحولها إلى مكسب، إنما هي علامة على يأسهم المتزايد وافتقارهم الكامل لأي تفكير استراتيجي. إذ لم يقتصر الأمر على إجبار شركائهم السياسيين هادي العامري ونوري المالكي على النأي بأنفسهم، ولكن محاولة الاغتيال ستحقق عكس هدفهم تمامًا: أي حرمان رئيس الوزراء الكاظمي من فترة ولاية أخرى. حيث زادت فرص عودة الكاظمي إلى منصب رئيس الوزراء الآن لدرجة أنها أصبحت مؤكدة إلى حد كبير.

ثمة جدل بين خبراء العراق حول مدى معرفة طهران بما يخطط له وكلاؤها العراقيون. علي شمخاني، الذي يرأس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وصف الهجوم بــ "الفتنة" وربطه بــ "مؤسسات الفكر والرأي الأجنبية". في وقت متأخر من يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني، وصل إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإسلامي إلى بغداد وقام بزيارة لرئيس الوزراء نقل خلالها إدانة طهران للهجوم ورفضها لأي محاولة لزعزعة استقرار العراق. وأفادت مصادر عراقية مقربة من الميليشيات باجتماع بين السيد قاآني وقادة الميليشيات المدعومة من طهران، كرر خلاله نفس الرسالة. كذلك كان قادة حزب الله اللبناني على اتصال برئيس الوزراء العراقي وقالوا نفس الشيء.

ولم يتضح بعد كيف سيؤثر ذلك على المفاوضات بين الفصائل السياسية حول تشكيل الحكومة. وبينما بدأت بالفعل مرحلة ما قبل المفاوضات، لم ينخرط القادة السياسيون بعد في محادثات جادة، في انتظار المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات. أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، يوم الاثنين، أنها أنهت مراجعتها لما يقرب من 1436 طعنًا في نتائج الانتخابات وأحالت النتائج التي توصلت إليها إلى المفوضية القضائية للانتخابات. وبمجرد أن تتضح نتائج المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، سيتم إرسال النتائج إلى المحكمة الفيدرالية العليا للتصديق عليها، وبعد ذلك سيكون أمام الرئيس العراقي د. برهم صالح 15 يومًا لدعوة البرلمان الجديد للانعقاد.

محاولة الاغتيال الأخيرة تُعمِّق الشقاق بين أعضاء الإطار التنسيقي العراقي، وهي المجموعة الجامعة للأحزاب الشيعية التي تطعن في نتائج الانتخابات، حيث تأليب البعض، مثل "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، و"فتح" لهادي العامري، والسيد عمار الحكيم ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي ضد الميليشيات العراقية المدعومة من إيران. كما أنه أضعف القضية التي رفعها الإطار بشأن تزوير الانتخابات. هذه بشرى سارة لمقتدى الصدر، الذي فازت كتلته السياسية بأغلب المقاعد النيابية.

الأثر الثاني لمحاولة الاغتيال هذه هو حلحلة الجمود السياسي الذي ساد منذ إعلان نتائج الانتخابات. وكان المشهد السياسي بين الأحزاب الشيعية قد انقسم في السابق بين الفائز الصدر الذي أراد تشكيل حكومة أغلبية، والإطار التنسيقي العراقي الذي دعا إلى إلغاء الانتخابات. وبدا الموقف مستعصيًا على الحل ولم يكن أي من الأطراف مهتمًا بالتوصل إلى حل وسط. من المرجح أن تؤدي محاولة الاغتيال إلى فتح الطريق المسدود. خوف العراقيين من مزيد من عدم الاستقرار بعد الهجوم سيخلق أرضية مشتركة بين الكتل السياسية ويكون أساسًا لبدء المفاوضات. سيتوصل الصدر والإطار التنسيقي العراقي في نهاية المطاف إلى حل وسط بشأن تشكيل حكومة توافقية وتقسيم المقاعد فيما بينها.

وفي حين أن مثل هذا الحل الوسط سيعمل على استقرار الوضع السياسي والأمني على المدى القصير، فمن غير المرجح أن يلبي تطلعات الشباب العراقي، الذين كانوا يطالبون بعملية إصلاح هيكلي تقضي على الممارسات القديمة كمثل تشكيل الحكومة على أساس عقد صفقة بين حفنة من النخب السياسية التي تعمل على تعزيز مصالحها الخاصة، كما أنها لن تعالج العقبة الرئيسية أمام أي عملية إصلاح في العراق – والسلم الأهلي المستدام بشكل أوسع – ألا وهي الميليشيات العراقية المدعومة من إيران والتي لا تزال تعمل خارج سيطرة الدولة وتمتلك جراءة لدرجة أنها تعتقد أنها قد تفلت من اغتيال رئيس الوزراء وهو مازال في منصبه.

أخيرًا، تؤدي محاولة الاغتيال إلى تعميق حالة انعدام الأمن التي يشعر بها غالبية العراقيين بأنهم يعيشون في بلد لا تزال مؤسسات الدولة فيه أضعف من أن تحمي حياتهم وممتلكاتهم من العنف الوحشي الذي ترتكبه الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الحكومة. وعقب أنباء محاولة الاغتيال، علق مُغرّدون عراقيون أنه إذا لم يستطع رئيس الوزراء، وهو قائد القوات المسلحة، حماية نفسه من استهداف هذه الجماعات، فكيف يتوقعون من قوات أمن الدولة أن تحميهم.

يمكنكم متابعة الكاتبة عبر حسابها على تويتر: @rmslim