بعد 13 شهرًا من الجمود والمشاحنات السياسية والجولات الدبلوماسية الدولية، أصبح للبنان حكومة أخيرًا. ومن المفارقات أن الوقت الثمين الذي استغرقه تشكيلها يتجاوز بكثير عمرها النظري. فإذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فإن حكومة ميقاتي ستُحَل بحكم الأمر الواقع بعد ثمانية أشهر من الآن، مباشرة بعد الانتخابات البرلمانية في مايو/أيار 2022. وهذا يجعل الأشهر المقبلة حاسمة بشكل خاص، ليس فقط بالنسبة لآفاق تعافي البلاد، ولكن أيضًا بالنسبة لقدرة المؤسسة السياسية اللبنانية على التقاط أنفاسها وإعادة تجميع صفوفها والعمل تدريجيًا على نزع فتيل الغضب الشعبي المكبوت.

يمكن القول إنه، بمعايير عديدة، فازت نفس المؤسسة المحمية من حزب الله في هذه المعركة الأخيرة. على الرغم من الجهود الباسلة، فشلت الحركة اللبنانية البديلة في التأثير على الوضع الراهن بما يكفي لفرض حكومة انتقالية مستقلة. استسلمت فرنسا والولايات المتحدة لفكرة أن الأوليغارشية الحاكمة تفضل أن تحكم سفينة تغرق على ألا تحكم سفينة على الإطلاق. حتى بات المواطنون اللبنانيون – أو من بقي منهم – مع كل يوم جديد أكثر معاناة وفقرا ويأسًا.

لكن أعظم انتصار للأوليغارشية يكمن في حقيقة أن جزءًا كبيرًا من العمل القذر ولكنه الضروري قد تم بالفعل تنفيذه لأجلها. فالإعانات الحكومية تقترب من أن يتم رفعها الكامل. والليرة اللبنانية قد تم تعويمها عمليًا. فضلا عن تفاقم عجز القطاع المصرفي في تسديد التزاماته تجاه المودعين بشكل مبالغ فيه، أو اللجوء إلى تحويلها للصرف بالليرة التي فقدت قيمتها. إن حكومة ميقاتي، وهي في الواقع صورة مصغرة للبرلمان، صارت الآن جاهزة للظهور كحكومة إنقاذ ونصيرة للشعب. كان لبنان في أمس الحاجة إلى دور المُخلِّص لدرجة أنه كان على استعداد للقبول بمُخلِّص زائف. وعلى أساس هذا الواقع القاسي، ستتحدد تطورات الأشهر المقبلة. قد يتحسن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد بالفعل، ولكن على حساب إضفاء الشرعية على المؤسسة مرة أخرى في نظر العديد من اللبنانيين. الأمر المؤكد، أن العديد من الوزراء في الحكومة هم من المهنيين الأكفاء وذوي التقدير. لكن القضية في لبنان تجاوزت الكفاءات منذ فترة طويلة، وكما كان الحال في حكومة دياب، تكمن المشكلة في غياب الفاعلية السياسية والشجاعة والرغبة في فعل الصواب.

بالنظر إلى المستقبل، تواجه حكومة ميقاتي تحديات وأولويات عاجلة، وقد تحدث ميقاتي نفسه عن العديد منها: احتواء تأثير كوفيد-19 وإجراء إصلاحات (دون تحديد نطاقها)، وإعادة بناء مرفأ بيروت (دون تناول التحقيق الجاري حول الانفجار)، وتنظيم الانتخابات في الربيع. غير أن المأزق الرئيسي والذي يتم عن عمد التغاضي عن الحديث بشأنه – والذي له تداعيات دائمة على المجتمع والاقتصاد في لبنان للأجيال القادمة – لا يزال يتمثل في الاعتراف بالخسائر المنهجية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات وتحديد أسبابها. ويظل هذا بمثابة تمهيد ومحور لأي خطة شاملة لوضع حد للانهيار، بما في ذلك أي مفاوضات محتملة مع صندوق النقد الدولي. وفي حين رحب الشركاء الدوليون بتشكيل الحكومة، وهذا أمر مفهوم، فإن توجيه الاهتمام تحديدًا للوصول إلى حل عادل وشامل للأزمات التجارية والمصرفية المركزية في لبنان أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

يمكنك متابعة الكاتب على تويتر:  @chris_abinassif