يوم الخميس الماضي، وبعد عدة أسابيع من التخطيط والإعداد، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رسميًا تأجيل العديد من الجولات المقرر إجراؤها هذا الصيف إلى أجل غير مسمى. وكان من المقرر إجراء الانتخابات، وهي الأولى منذ 15 عامًا، على ثلاث جولات، تبدأ بالانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية في 22 مايو/أيار، تليها الانتخابات الرئاسية في 31 يوليو/تموز، وتنتهي بانتخابات برلمان منظمة التحرير الفلسطينية الخامل لفترة طويلة في المنفى، وهو المجلس الوطني الفلسطيني، في 31 أغسطس/آب. وعلى الرغم من حالة الشك العام من قِبَل الجمهور والأجواء الانتخابية الإشكالية للغاية، بما في ذلك القيود الصارمة على من يمكنه الترشح وتعرض المرشحين للاعتقال والمضايقة من قِبَل إسرائيل، كان ثمة شعور حقيقي بالحماس لاحتمال إنعاش السياسة الفلسطينية بعد سنوات من الركود السياسي والتدهور المؤسسي. وتم تسجيل ما مجموعه 36 قائمة انتخابية تتشكل من 1391 مرشحًا للتنافس على مقاعد المجلس التشريعي البالغ عددها 132 مقعدًا. غير أن عباس أعلن التأجيل قبل يوم واحد فقط من بدء الحملة الرسمية في الأول من مايو/أيار.

لم يكن القرار غير متوقع. رسميًا، أشار عباس إلى رفض إسرائيل السماح للفلسطينيين في القدس الشرقية بالمشاركة في التصويت كسبب لتأجيل الانتخابات – وهو في الواقع بمثابة إلغائها، حيث من غير المرجح أن تسمح الحكومة الإسرائيلية اليمنية للفلسطينيين المقدسيين بالمشاركة في أي تصويت مستقبلي. غير أن السبب الحقيقي يتعلق بالانقسامات داخل حركة فتح التي ينتمي عباس إليها. حيث بنى محمد دحلان، رئيس الأمن السابق في غزة والمنافس اللدود لعباس، قاعدة دعم كبيرة بين نشطاء فتح الساخطين، لا سيما في غزة. والأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لعباس هو قرار ناصر القدوة، الذي خدم كسفير للسلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة ووزير خارجية سابق، بتشكيل قائمته الخاصة، والتي حظيت بدعم مروان البرغوثي، رئيس الأمن السابق الذي يتمتع بشعبية كبيرة والذي يقضي الآن عدة أحكام بالسجن مدى الحياة في سجن إسرائيلي. أمام احتمال أن تأتي قائمته الرسمية لفتح في المرتبة الثانية بعد حماس (أو ربما أسوأ من هذا)، اختار عباس إلغاء الانتخابات بالكامل. كما خشي العديد من الأوروبيين والأمريكيين من تحقيق ظهور قوي لحركة حماس في البرلمان أو ربما إدراجها ضمن حكومة السلطة الفلسطينية المستقبلية، مما قد يؤدي إلى مقاطعة دولية أخرى، كما حدث في عام 2006.

وفي حين أن الكثيرين في الغرب، وخاصة في واشنطن، يتنفسون الصعداء في صمت، كان رد فعل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة غضبًا وخيبة أمل. إذ يرفض النشطاء السياسيون وقادة المجتمع المدني فكرة أن إسرائيل يكون لها حق النقض على الانتخابات الفلسطينية ويطالبون بإعادة جدولتها على الفور. لخصت عضوة اللجنة التنفيذية السابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي مشاعر رجل الشارع الفلسطيني في تغريدة: "الإثارة والحماس والطاقة التي رحب بها الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بإمكانية حدوث انتخابات للمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني الفلسطيني تحولت على الفور إلى خيبة أمل وغضب عميقين. القدس هي جوهر التحدي، وليست ذريعة لتخريب الديمقراطية!" من جانبها، انتقدت حماس قرار عباس ووصفته بـ"الانقلاب"، وهو شعور تشاركه على نطاق واسع القوائم الانتخابية الأخرى والمرشحون الآخرون كذلك.

في حين أن المدى الكامل للتداعيات المترتبة على قرار إلغاء التصويت لا يزال غير واضح، فليس ثمة شك أن عباس تسبب لنفسه بأضرار جسيمة في الداخل والخارج نتيجة لذلك. فعباس الذي يتقدم في السن ويتزايد في طابعه السلطوي كان بالفعل لا يحظى بشعبية كبيرة، ومن المرجح أن تزداد الأصوات الداعية لاستقالته.

بنظرة إلى الوراء، يبدو أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة ليس أن عباس ألغى الانتخابات، بل أنه دعا لإجرائها في المقام الأول. إذ كان من المتوقع أن تمنع إسرائيل فلسطيني القدس الشرقية من المشاركة في التصويت. لكن حقيقة أن عباس لم يتنبأ بالمشاكل داخل فتح تظهر مدى عزلة عباس وابتعاده عن التواصل حتى مع قاعدته السياسية. علاوة على ذلك، بعد أن شحذت شهية الفلسطينيين للتغيير السياسي، سيكون من الصعب على عباس أن يعيد الجني إلى القمقم. ويبدو أن الأمور قد تصبح غير مريحة أكثر لعباس ولفتح في الأسابيع القادمة.