تًعد مدينة طرابلس ثاني أكبر مُدن لبنان وأكثرها فقرا، وعلى مدار الأسبوع الماضي شهدت المدينة اشتباكات مُتكررة بين مُتظاهرين وقوات الأمن. يتكرر الغضب الشديد ضد الحكومة بسبب عدة عوامل، غياب خطط للتخفيف من وطأة الفقر المُدقع في الوقت الذي شُلّ فيه النشاط الاقتصادي نتيجة تدابير الإغلاق الصارمة بسبب جائحة كورونا. فمنذ أن بدأت الأزمة اللبنانية أواخر عام 2019، يرزح أكثر من نصف سكان طرابلس تحت خط الفقر. واليوم تتدهور الأوضاع بالتزامن مع ازدياد تدريجي في الوعي الوطني بأن الجمود السياسي، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لن ينتهوا قريبا.

الأسبوع المُضطرب في طرابلس أظهر بعض الاستنتاجات السياسية والأمنية بشأن طرابلس، بل ولبنان بأسره. سياسيا، تُفاقم هذه الأحداث من تآكل شرعية الدولة، وعجزها عن حماية مواطنيها الأكثر ضعفا؛ ما يُمهد الطريق، فعليا، لمزيد من التبعية الاقتصادية والسياسية. كما يزيد من رغبة واحتمالية أن تستفيد جهات خارجية، وغير حكومية من الفقر؛ لتكسب نفوذا في المُجتمعات المحلية. وليس بخافٍ أن لاعبين إقليميين مثل تركيا، قد طوروا في السنوات الأخيرة مصالح استراتيجية في طرابلس التي تُعد معقل الإسلام السني في لبنان.

أمنيا، فإن مواجهات الأسبوع الماضي تؤشر إلى احتمالية تصاعد العنف بين المواطنين الفقراء، وبين قوات الأمن التي تعاني أيضا من الفقر؛ إذ انخفضت قيمة رواتبهم بحوالي ثمانين في المئة خلال خمسة عشر شهرا. وإذا انتشرت مثل تلك المواجهات بنفس القدر والسرعة في بقية لبنان؛ فستواجه قوات الأمن تحديا للانتشار على مساحة أكبر للحفاظ على النظام والأمن الوطنيين. ستتزايد المواجهات في الأسابيع والأشهر المُقبلة عندما تضطر الحكومة إلى رفع الدعم، أو تقنينه عن سلع أساسية مثل الوقود.

تزامنت الأحداث التي وقعت في طرابلس الأسبوع الماضي مع صدور بحث جديد من مُنظمة العفو الدولية، التي تهتم بحقوق الإنسان، حيث سلطت المُنظمة الضوء على استخدام غير قانوني من جانب الأمن اللبناني لمعدات إنفاذ القانون المستوردة من فرنسا؛ لقمع الاحتجاجات منذ أن بدأت حركة الاحتجاجات اللبنانية في أكتوبر 2019. ومع اشتداد أعمال الانتقام الحكومية كما وصفتها مُنظمة العفو الدولية بـ "أجواء الإفلات من العقاب"، ينبغي إعادة النظر في شروط الاستخدام المنصوص عليها في عقود شراء قوات الأمن اللبنانية للمُعدات من السلطات الفرنسية. ويأتي ذلك في وقت من المتوقع أن يزور فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان للمرة الثالثة منذ انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020، وكان ماكرون قد وعد بتقديم مُساعدات عاجلة للشعب اللبناني.

 

Read in English