يبدو أن قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز بتعليق عمل البرلمان والحكومة كانت تحظى بشعبية كبيرة، على الرغم من الانتقادات الحادة من أولئك الذين استنكروا هذه القرارات باعتبارها انقلابًا أو غير دستورية أو تجاوزًا خطيرًا لسلطته. لكن الاحتفالات الجماهيرية في الشوارع التي اندلعت فور إعلانه المتلفز – على الرغم من حظر التجول ليلًا – مثّلت دليلًا على شعبية تحركاته. كما أن بعض استطلاعات الرأي منذ ذلك الحين، والتي على الرغم من عدم وضوح منهجيتها، يبدو أنها هي الأخرى تشير إلى أن أغلبية كبيرة توافق على إجراءات سعيّد – على الأقل في الوقت الحالي.

لقد حقق سعيّد بعض النجاحات السريعة في نظر جمهوره: انخفاض أسعار المستهلك لسلع معينة للمتسوقين من الطبقة الوسطى، والأهم من ذلك، حملة تلقيح ملحمية يوم الأحد 8 أغسطس/آب، والتي شهدت تطعيم أكثر من نصف مليون شخص – أي ما يزيد عن 4% من سكان البلاد – في يوم واحد. تم تنفيذ العمل في هذه المهمة الملحمية في أغلبه بواسطة متطوعين لا يكلون إلى جانب العاملين في مجال الصحة، لكن كما يقال فإن النجاح له العديد من الآباء، وبالطبع فوق كل المسؤولين عن هذا النجاح، استطاع سعيّد أن يخطف الأضواء من البقية. كانت قصة نجاح اللقاح بمثابة هدية لدعم رصيده السياسي.

لكن شعبية سعيّد وشعبية قراراته – والثقة في استعداده أو قدرته على حل الأزمات المتعددة التي تواجهها تونس – من المرجح أن تتضاءل بمرور الوقت. فهو يتمتع في الوقت الحالي برصيد سياسي كبير، ولكن في كل يوم تستمر فيه الجائحة في اجتياح البلاد، وتظل الخدمات العامة غير كافية أو يتعذر الوصول إليها، وتحتفظ قوات الأمن بسلطاتها القمعية وتمارسها بشكل غير متناسب ضد الفقراء، وتظل تكلفة المعيشة بعيدة عن متناول الكثيرين، في كل يوم كهذا يتضاءل رصيده. حيث إن تركيزه للسلطات في قبضته توضح أن قصر قرطاج هو المسؤول، مما يعني أنه المؤسسة الحاكمة الوحيدة المتبقية التي سيضع الناس اللوم عليها إذا لم تتحسن الأمور بسرعة.

ومما يزيد من التمحيص في مسؤولية القصر هو عدم وجود تواصل واضح مع الناس. فحتى الآن، كانت استراتيجية الرئيس هي استخدام منبره الشرس من خلال حساب الرئاسة الرسمي على الفيسبوك وفريق الفيديو لإرسال محاضرات رئاسية إلى مختلف المسؤولين حول الكيفية التي يجب أن تعمل بها مؤسسات الدولة. بينما يُترك التونسيون والمراقبون الدوليون بدون أي مصدر للمعلومة سوى المراسيم التنفيذية المنشورة على صفحة الرئاسة على الفيسبوك، وبدرجة أقل تصريحات منظمات المجتمع المدني الصادرة عقب لقاءاتها الخاصة مع الرئيس سعيّد. لذا دعا المستشار والباحث حبيب الصياح الرئاسة إلى تقديم إيجازات صحفية يومية، وهي خطوة بسيطة ومباشرة من شأنها على الأقل أن تَعِد ببعض الشفافية وتهدئة الجمهور القَلِق بشكل مفهوم بشأن الاتجاه الجديد الذي قد تتجه تونس إليه.

وبينما كان الكثيرون يتوقعون أن يأتي الرئيس برئيس للوزراء وحكومة جديدة بعد فترة وجيزة من قراراته التي اتخذها في 25 يوليو/تموز – وهو أمر من شأنه أيضًا نزع المسؤولية (ومن ثم اللوم) عنه، فإن التأخير في تسمية رئيس الحكومة قد أثار بالفعل تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس قد خطط وصاغ استراتيجيته الخاصة قبل وقت كافٍ من اتخاذ الإجراءات الاستثنائية. وفي ذات الوقت، لا يبدو أن سعيّد يتحرك بسرعة لتفويض مؤسسات الدولة الأخرى لتنفيذ رؤيته السياسية، لا سيما تعهده باجتثاث الفساد أو استرداد الأموال من التهرب الضريبي. فقد أعلن القطب القضائي المالي، وهو هيئة نيابية عامة متخصصة في الجرائم المالية، عن فتح تحقيقات في التمويل الأجنبي للحملات الانتخابية التي جرت في عام 2019 لثلاثة أحزاب سياسية. لكن لا يبدو أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد قد تم تنشيطها بصلاحيات جديدة أو هدف متجدد – ربما لأن رئيسها كان مصدر نزاع بين الرئيس سعيّد ورئيس الوزراء هشام المشيشي.

قد تؤدي محاكمة النواب بقضايا جنائية مفتوحة ضدهم إلى زيادة الرصيد السياسي لسعيّد، بالنظر إلى التصور السائد بأن البرلمان فاسد. ولكن حتى الآن، أعطى المدعون العامون وقوات الأمن الأولوية لقضايا التشهير ضد المسؤولين بدلًا من قضايا غسيل الأموال أو اختلاس الأموال العامة أو الاعتداء الجنسي. قد يشير اعتقال ياسين العياري، الذي حكمت عليه محكمة عسكرية بتهم تشمل التشهير بسمعة كبار الضباط، إلى احترام سعّيد للجيش الذي اعتمد عليه لتنفيذ قراراته. كانت هناك بالفعل انتقادات من الناس العاديين لإعطاء الأولوية لمقاضاة التعبير والكلام وقضية العياري. ثمة دائمًا خطر من أن الملاحقات القضائية للبعض دون البعض الآخر ستكون بمثابة المرآة التي تعكس نفس الطبيعة "الانتقائية" للحملة ضد الفساد التي شنها رئيس الوزراء السابق يوسف الشاهد، والتي انتقدها كثيرون على أنها تستهدف الخصوم السياسيين.

إذا استمرت الملاحقات القضائية في المضي قدمًا في قضايا التشهير مع التحرك ببطء أو عدم التحرك على الإطلاق بشأن الجرائم المالية المزعومة، فإن هذا سيقوض مصداقية خطاب سعيّد حول مكافحته للفساد. وكان سعيّد قد أعلن أنه سيُلاحق رجال الأعمال الذين استفادوا على حساب الخزينة العامة في ظل نظام بن علي، مقدمًا حصانة من الملاحقة القضائية مقابل إعادة أموال في شكل مشاريع عامة. بينما أشار سعيّد إلى أنه سيستخدم تقرير 2011 عن الفساد الذي أعده عبد الفتاح عمر كدليل، فإن تفاصيل كيفية عمل ذلك غير واضحة، كما أن عدم إحراز تقدم على هذه الجبهة يمكن أن يستنزف الرصيد السياسي للرئيس.

ثمة احتمال أن يجعل أسلوب سعيّد غير التقليدي بعض آليات الدولة أكثر استجابة وفعالية في معالجة بعض القضايا الصحية والاقتصادية، والتي من المرجح أن تُكسِبه استحسان التونسيين الذين يطالبون بنتائج ملموسة. غير أن استرداد الأصول المسروقة وجعل تحصيل الضرائب أكثر فعالية وعدالة هو قول أسهل من تنفيذه على أرض الواقع. وفي الوقت نفسه، فإن التحديات طويلة الأجل لإعادة بناء نظام الصحة العامة في مواجهة التقشف المشروط لأجل الحصول على القروض وإعادة هيكلة الاقتصاد لإعطاء الأولوية للاحتياجات المحلية سوف تتطلب مواجهة المصالح التجارية القوية والدائنين الدوليين. في هذا الشأن، نجد أن الرئيس سعيّد لم يشر إلى استعداده للمواجهة على هذه الجبهة، بل إن أي رئاسة جمهورية تتمتع بقوة أكثر ولديها تفويض شعبي لا تستطيع وحدها تحقيق مثل هذه الإصلاحات طويلة الأمد.

هذه القضايا طويلة المدى والبؤس الذي تسببت فيه كان لها دور كبير في فتح الباب أمام تحركات الرئيس سعيّد في 25 يوليو/تموز. ولكن مثلما سهّلت هذه القضايا تركيز السلطات في قبضة سعيّد، يمكنها أيضًا تقويض شعبيته ورصيده السياسي في المستقبل. كما قال رجل في حي للطبقة العاملة في مدينة تونس العاصمة لمنصة "مشكال" الإعلامية المستقلة: "لا نهتم بالنهضة ولا بقيس سعيّد. نريد فقط بعض الكرامة".

فاضل علي رضا هو مؤسس ورئيس تحرير موقع meshal.org، وهو موقع إخباري مستقل باللغتين الإنجليزية والعربية يغطي الشأن التونسي، وهو أيضًا باحث غير مقيم مع برنامج شمال إفريقيا ومنطقة الساحل بمعهد الشرق الأوسط. الآراء الواردة في هذه المساهمة هي آراءه الخاصة.