بالنسبة لحدث هلل له الكثيرون، فإن المحادثات المصرية التركية التي اختتمت بالقاهرة الخميس الماضي، وهي المحادثات الأولى على مثل هذا المستوى المرتفع منذ 2013، قد أثمرت عن بيان متحفظ وموجز بشكل ملحوظ. البيان المقتضب الذي صدر بمشاركة البلدين لم يقل سوى إن المناقشات كانت "صريحة ومعمقة" حول القضايا الإقليمية، وسيقوم الجانبان بتقييم الوضع والتفكير فيما يجب القيام به بعد ذلك.

لعل هذا لا ينبغي أن يمثل مفاجأة كبيرة. فالعلاقات بين مصر وتركيا قد تدهورت بشدة عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين من قِبَل الجيش المصري بعد احتجاجات حاشدة ضده في عام 2013. تركيا هي من الداعمين للحركة وتقدم نفسها كزعيم إقليمي لجماعة الإخوان المسلمين. هذا الدعم جعلها على خلاف ليس فقط مع مصر، بل أيضًا مع معظم دول الخليج، باستثناء قطر.

استمرت العلاقات المصرية التركية في جمودها، مع تصاعد مذهل في اللغة العدائية عندما تدخلت تركيا في الحرب الأهلية الليبية عن طريق إرسال الأسلحة والمرتزقة السوريين لدعم حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة في مواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر (المدعوم بدوره من قِبَل روسيا والسعودية والإمارات ومصر وفرنسا)، لترجح كفة ميزان الصراع لصالح حكومة الوفاق. بينما تشكل الحدود الليبية الطويلة التي يسهل اختراقها مصدر قلق أمني كبير لمصر، التي كانت تقاتل بالفعل الإسلاميين في شمال سيناء، وبعضهم قد حصل على تدريبه في ليبيا. وبمجرد أن ألقت مصر نظرة واحدة على المرتزقة الأجانب، قررت أنها خطوة بعيدة جدًا في الاتجاه الخاطئ. وسرعان ما أعلنت مدينتي سرت والجفرة في ليبيا خطوطًا حمراء وهددت بشن عملية عسكرية.

أعقب ذلك فترة متوترة من الهجوم العلني، وبعدها تراجع كل خصم إلى الركن الخاص به.

وفي حين أن العلاقات اتخذت طابع الجمود، لكنها لم تنقطع أبدًا. ربما تم استدعاء السفراء، لكن البعثات الدبلوماسية لا تزال قائمة برئاسة ممثلين عن وزارة الخارجية على مستوى الوزير المفوض. كما ظلت القنوات الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية مفتوحة، وذلك أساسًا لأن البراغماتية عادة ما يكون لها اليد العليا على المثالية في السياسة الخارجية.

في حالة تركيا، يبدو أنها تناولت جرعة إضافية من البراغماتية. حيث إن تركيا بالفعل على خلاف مع مصر ومع الكثير من دول الخليج، بل وحتى مع حلفائها من أعضاء حلف الناتو، وكان من المنطقي أن تبدأ في بناء الجسور. قامت أنقرة بمبادرات مبدئية مع القاهرة منذ الصيف الماضي، لكن مصادر دبلوماسية مصرية قالت في تصريحات غير علنية إنها بحاجة إلى رؤية التزام قوي من تركيا من أجل إجراء أي مصالحة حقيقية.

ومن أهم مخاوف مصر تلك الخاصة بقضية ليبيا والإخوان المسلمين، وكذلك، لكن ربما أقل إلحاحًا، قضية خطوط التماس البحري في شرق البحر المتوسط.

في حالة ليبيا، فإن مصر، التي تتبع سياسة خارجية محافظة وواقعية، قد عززت من دعمها لعملية المصالحة الجديدة بقيادة الأمم المتحدة وللحكومة الانتقالية. ولأجل مواصلة مساعي المصالحة، أرادت مصر رؤية تركيا تسحب مقاتليها من ليبيا، ومن بينهم مئات القوات التركية وآلاف المرتزقة السوريين، وهو أمر لم تشر تركيا بعد إلى استعدادها القيام به.

وبنفس مقدار الأهمية والإلحاح، تريد مصر أن ترى تركيا تعمل شيئًا فيما يتعلق بالإخوان المسلمين، التي تعتبرها منظمة إرهابية، مثل تسليم الأعضاء المطلوبين في مصر لضلوعهم في جرائم متصلة بالإرهاب وكبح جماح الهجوم الإعلامي على مصر من المنصات الإعلامية التي تبث من البلاد. امتنعت تركيا عن تسليم أي من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، الذين تشير إليهم باعتبارهم مقيمون بشكل شرعي، ولكن في خطوة مفاجئة، طلبت الحكومة التركية من ثلاث محطات مقرها إسطنبول تخفيف انتقاداتها للحكومة المصرية، مما أدى إلى وقف بعض البرامج. وصفت الحكومة المصرية ما جرى بأنه "مبادرة طيبة من الجانب التركي خلقت أجواءً مواتية لمناقشة قضايا الخلاف بين البلدين".

الآن أي تقدم إضافي في هذه القضية متروك لتركيا. الوضع الراهن غير مريح وغير مثمر لكلا البلدين، لكنه لم يكن مستعصيًا على الحل، وفي جميع الاحتمالات، لم يكن مستدامًا لبعض الوقت في المستقبل. يمكن لكلا البلدين بالكاد الحفاظ على مسافة دبلوماسية مهذبة دون الكثير من القضايا الرئيسية. غير أن التعاون المتزايد والعلاقات الأفضل سيكونان أكثر إنتاجية لصالح كلا الجانبين، وخاصة بالنسبة لتركيا، التي تحاول إصلاح كم هائل من الصدوع. مع ذلك، يبقى أن نرى مدى حرصها على إصلاحها وما هي الخطوات التي هي على استعداد لاتخاذها لضمان النجاح.

Read in English

Photo by KHALED DESOUKI/AFP via Getty Images