هذا هو الجزء الثاني من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء

في السنوات الأخيرة، نُشِرت العديد من التحليلات حول النفوذ المتزايد للحرس الثوري الإسلامي داخل النظام الإيراني. لا شك أنه في العقدين الماضيين، ازدادت قوة الحرس الثوري في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل كبير، ومع تزايد عدد الشخصيات العسكرية أو العسكرية السابقة في إدارة الرئيس الإيراني الجديد، إبراهيم رئيسي، لا يتوقع سوى أن يتجه نفوذ الحرس الثوري نحو مزيد من التوسع.

ومع ذلك، فإن صعود قوة الجيش لا ينبغي أن يلقي بظلاله على حقيقة أنه في الجمهورية الإسلامية، ليس فقط المنصب الأعلى للمرشد الأعلى، ولكن أيضًا العديد من الأدوار الرئيسية الأخرى مخصصة حصريًا لرجال الدين. علاوة على ذلك، يجب تعيين العديد من رجال الدين المذكورين، بما في ذلك كبار المسؤولين، من قبل المرشد الأعلى.

تم تصميم هذا النظام لضمان ولاء المسؤولين الرئيسيين، ولكن بمرور الوقت أدى إلى تزايد المخاوف بشأن موثوقية الجيل القادم من رجال الدين وعملية نقل السلطة.

رجال الدين في هيكل الحكومة الإيرانية

في جمهورية إيران الإسلامية، يشغل رجال الدين المناصب العليا في القضاء. وتشمل هذه المناصب، من بين أمور أخرى، رؤساء السلطة القضائية والمحكمة الدينية الخاصة (الذين يُعيّنهم المرشد الأعلى)، بالإضافة إلى رئيس المحكمة العليا والمدعي العام ورئيس المفتشية العامة (وجميعهم يعينهم رئيس السلطة القضائية).

بالإضافة إلى ذلك، فإن ستة من أصل 12 عضوًا في مجلس صيانة الدستور هم فقهاء شيعة يعينهم المرشد الأعلى (الستة الآخرون هم محامون يرشحهم رئيس القضاء ثم يصوت عليهم البرلمان). مجلس صيانة الدستور هو المسؤول عن المصادقة على التشريعات البرلمانية أو رفضها، بالإضافة إلى الموافقة على المرشحين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وكذلك المرشحين لمجلس الخبراء.

في مجلس الخبراء، وهو المسؤول رسميًا عن الإشراف على أداء المرشد الأعلى وتعيين المرشد التالي، جميع الأعضاء هم أيضًا من الفقهاء (على الرغم من أن هذا المجلس لا يشرف فعليًا على أداء المرشد الأعلى).

كذلك فإن الاثنين اللذين يحتلا أعلى منصبين في أجهزة المخابرات الإيرانية هما رجال دين أيضًا. فبموجب القانون، يجب أن يكون وزير المخابرات، المعين بناء على توصية من الرئيس وبموافقة المرشد الأعلى، فقيهًا شيعيًا. ورئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، الذي أنشأه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في عام 2009، هو أيضًا رجل دين. غير أن تشكيل جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني في عام 2009 لم يستند إلى أي تشريع برلماني، لذلك ليس من الواضح ما إذا كان هناك التزام قانوني فعلي على رئيس الجهاز الجديد أن يكون رجل دين. بالنظر إلى أن مسؤوليات جهاز استخبارات الحرس الثوري موازية لمسؤوليات وزارة المخابرات، سيكون من المنطقي أن يكون لرئيس الجهاز نفس مؤهلات وزير المخابرات.

علاوة على ذلك، للمرشد الأعلى أيضًا ممثلون في القوات المسلحة الإيرانية، وجميعهم من رجال الدين. على سبيل المثال، في الحرس الثوري، ثمة منصب يسمى "ممثل المرشد الأعلى في الحرس الثوري". بالإضافة إلى ذلك، للمرشد الأعلى أيضًا رجال دين يمثلونه في أجزاء أخرى من الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك ممثلين مختلفين في القوات البرية والقوات البحرية والقوات الجوية (الصاروخية) وفيلق القدس (فرع العمليات الأجنبية). للمرشد الأعلى أيضًا ممثلون في الباسيج (الفرع شبه العسكري للحرس الثوري)، وجهاز مكافحة التجسس، وفي جميع فرق المقاطعات التابعة للحرس الثوري. وبالمثل، لديه العديد من الممثلين في الجيش الإيراني النظامي (ارتش)، والأركان العامة للقوات المسلحة، والشرطة، ووزارة الدفاع.

وعلى الصعيد الديني، يوجد لآية الله خامنئي ممثلون من رجال الدين في جميع المحافظات الإيرانية البالغ عددها 31 محافظة، ومعظمهم من الأئمة الذين يتولون إمامة صلاة الجمعة في عواصم المحافظات. بالإضافة إلى هؤلاء الممثلين، يوجد في جميع المدن الإيرانية أئمة صلاة الجمعة يتم تعيينهم من قبل ممثلي المرشد الأعلى في محافظاتهم.

وبالإضافة إلى كل رجال الدين المذكورين أعلاه من ذوي المناصب الرفيعة، هناك عشرات الآلاف من الآخرين في مناصب متدنية. حيث يوجد في إيران أكثر من 46 ألف مسجد ويلزم تواجد رجل دين واحد على الأقل للعمل في كل مسجد كإمام للصلاة. يتم تعيين جميع هؤلاء الأئمة من قبل هيئة حكومية، هي مقر إقامة الصلاة، والتي تعمل تحت إشراف ديوان المرشد الأعلى.

مشكلة شيخوخة رجال الدين

بالنظر إلى الدور الحاسم لرجال الدين في الجمهورية الإسلامية، ليس هناك شك في أن الحفاظ على هذا الهيكل على المدى الطويل يتطلب عددًا كبيرًا من "رجال الدين الثوريين" الذين تثق بهم الحكومة تمامًا.

في 28 فبراير/شباط 2020، أعلن علي رضا أعرافي، الذي عينه آية الله خامنئي مديرًا للحوزات الإيرانية الشيعية، أن عدد الطلاب الذكور في الحوزات في جميع أنحاء إيران بلغ نحو 100 ألف (في نفس الوقت، بلغ عدد الطالبات الإناث في الحوزات حوالي 80 ألف). بالنظر إلى الإحصائيات المتناقضة التي قدمتها مختلف السلطات الإيرانية على مدى العقود القليلة الماضية، من الصعب مقارنة أعداد طلاب الحوزة على مر السنين. غير أن السلطات لطالما صورت الارتفاع الدائم في أعداد طلاب الحوزات على أنه إنجاز كبير للمؤسسات الحكومية.

على الرغم من العدد الكبير لطلاب الحوزة، إلا أن المرشد الأعلى ورفاقه كانوا قلقين من أن الحوزات لا تقوم بتدريب رجال دين مؤهلين بشكل كافٍ لشغل مناصب حكومية حساسة (لفهم هذه المخاوف بشكل أفضل، انظر الجزء الأول من هذه السلسلة المكونة من ثلاثة أجزاء). تنعكس هذه المخاوف في تحذيرات آية الله خامنئي والمعينين من قبله حول مفاهيم مثل "نزع الثورة عن الحوزات" وانتشار "العلمانية في الحوزات" (أو كما وصفها البعض، خلق "علمانية جديدة في الحوزات.")

هذه المخاوف ذات أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر برجال الدين رفيعي المستوى اللازمين لشغل المناصب الحكومية الحساسة. في الواقع، لا يمكن شغل العديد من المناصب الهامة في الحكومة إلا من قبل رجال الدين الذين وصلوا إلى مستوى الاجتهاد، في إشارة إلى القدرة الشخصية على تفسير الأسئلة الدينية بشكل مستقل رغم أن تلك الأسئلة لم يتم معالجتها في النصوص الدينية أو من قِبَل رجال الدين المؤهلين الآخرين.

على سبيل المثال، يجب أن يكون ستة من الفقهاء من مجلس صيانة الدستور وجميع أعضاء مجلس الخبراء البالغ عددهم 88 ورئيس القضاء ورئيس المحكمة العليا والمدعي العام ووزير المخابرات من المجتهدين أو رجال الدين المؤهلين لممارسة الاجتهاد. علاوة على ذلك، فإن معظم ممثلي المرشد الأعلى في المحافظات هم من المجتهدين أيضًا.

عدم وجود العدد الكافي من رجال الدين رفيعي المستوى لتولي مناصب حكومية أجبر آية الله خامنئي على الإبقاء على العديد من رجال الدين المُسنّين في مناصب رئيسية. على سبيل المثال، لا يزال أحمد جنتي، 95 عامًا، يشغل منصبين حكوميين رئيسيين: رئيس مجلس الخبراء وسكرتير مجلس صيانة الدستور (أهم منصب في المجلس). كما أن محمد يزدي، الذي توفي في 9 ديسمبر/كانون الأول 2020 عن عمر يناهز 89 عامًا، ظل عضوًا في مجلس صيانة الدستور حتى شهر قبل وفاته، عندما استقال هو بنفسه. وكان يزدي هو رئيس مجلس الخبراء قبل تولي أحمد جنتي مهام منصبه في عام 2016.

كما أن العديد من المراجع الشيعية في إيران من المتقدمين للغاية في أعمارهم. المرجع هو اللقب الأعلى في الحوزات الشيعية ويشير إلى عدد قليل من المجتهدين المؤهلين الذين لديهم سلطة إصدار حكم رسمي أو تفسير في المسائل الدينية.

على سبيل المثال، يبلغ عمر آية الله لطف الله الصافي الكلبايكاني وآية الله حسين الوحيد الخراساني (اثنان من أكثر المراجع الشيعية نفوذًا في إيران) 102 و100 عام على التوالي. كما يبلغ عمر آية الله حسين نوري الهمداني وآية الله ناصر مكارم الشيرازي (أقرب مرجعية المرشد الأعلى) 96 و95 عامًا. جميع آيات الله العظمى هؤلاء دخلوا الحوزات الشيعية قبل ثورة 1979، بينما من بين طلاب الحوزة الذين بدأوا دراستهم بعد الثورة، لم يصبح أحد مرجعًا بعد.

عندما يموت هؤلاء آيات الله العظمى المقيمون في إيران، سيضعف موقع حوزة قُمّ بالمقارنة مع حوزة النجف في العراق، وهي المركز الرئيسي الآخر للدراسات الدينية الشيعية – والذي قد يعتبره الكثيرون المركز الأكثر بروزًا، مما يعد تحولًا ليس في صالح السلطة الدينية للجمهورية الإسلامية في العالم الشيعي الأوسع.

على الرغم من العدد الكبير من رجال الدين والميزانيات الضخمة التي يخصصها للحوزات، يواجه النظام الإيراني حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل كليهما. مع استمرار تقدم رجال الدين الحاليين في السن، يمكن في نهاية المطاف تسليم العديد من المناصب الدينية والحكومية الرئيسية إلى رجال دين غير موثوقين قد لا يؤيدون المبادئ التي وضعها المرشد الأعلى الحالي، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها على مستقبل الجمهورية الإسلامية.

ماري عبدي باحثة سياسية إيرانية تركز على الاستراتيجيات المحلية والإقليمية للجمهورية الإسلامية. الآراء الواردة في هذه المساهمة تعكس وجهة نظر الكاتبة.