صَدم وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، العالم بإعلانه القطع المفاجئ للعلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والرباط، بعد ثلاثة عقود من تجاور بارد بين القوتين المغاربيتين. واتهم لعمامرة، في بيان رسمي، تلاه أواخر أغسطس/آب 2021، المغرب بالتخلي عن التزامه بتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية، من بين ما أسماه "أعمال عدائية ومشينة" أخرى ارتكبها ضد الجزائر.

ولا يزال نزاع الصحراء الغربية أحد أكثر النزاعات استعصاءً على الحل في العالم. فالمغرب يَعتبر الصحراء جزءا من أراضيه، في حين تستمر الجزائر كداعم رئيسي لحركة البوليساريو الموجودة بتندوف، والتي تسعى إلى استقلال الإقليم. قادت الأمم المتحدة مساعي عديدة للتوسط في حل هذا النزاع، بما في ذلك عبر محاولات لتنظيم استفتاء، واجهته صعوبات عملية، بسبب تعسر تحديد الساكنة المؤهلة للمشاركة فيه. واقترحت الجزائر وجبهة البوليساريو، في نوفمبر 2001، "تقسيم الإقليم كحل سياسي للنزاع حول الصحراء الغربية" (S/2002/178، الفقرة 2)، وهو ما رفضه المغرب بشكل قاطع.

جبهة البوليساريو، التي تعتبرها الرباط لاعبا بالوكالة في لعبة جيوسياسية عبثية طال أمدها، تستفيد من "تفويض بحكم الأمر الواقع من طرف الجزائر لولايتها القضائية"، وذلك لإدارة مخيمات تندوف التي توجد على الأراضي الجزائرية (S/2018/889، الفقرة 67). غير أنه، وبعد ما يقرب من خمسة عقود من اندلاعه، لم يتم التوصل إلى حل نهائي وتوافقي لهذا النزاع، مثلما يطالب مجلس الأمن الدولي في مناسبات متعددة، ليصبح نزاع الصحراء الغربية جوهر العداء الجزائري المغربي حتى يومنا هذا.

اقترح المغرب سنة 2007، خطة للحكم الذاتي للصحراء الغربية، قُدِّمت كحل عملي يضمن وضعية "رابح-رابح" لجميع أطراف النزاع. فمن وجهة نظر فقهاء القانون الدولي، يُعتبر الحكم الذاتي القائم على تقاسم السلطة، حلا يتجاوب بشكل فعال مع طبيعة نزاعات تقرير المصير، وذلك من خلال تحقيق توازن بين مبدأ الوحدة الترابية للدول، وحماية الحق في تقرير المصير. وينص اقتراح المغرب على إنشاء مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية تتمتع بصلاحيات مستقلة، قصد تمكين ساكنة الصحراء الغربية من "إدارة شؤونهم المحلية بشكل ديمقراطي"، حيث تتضمن الفقرة 8 من مشروع المقترح، تعهدا من المغرب بتقديم "قانون الحكم الذاتي لاستفتاء تشارك فيه الساكنة المعنية، تمشيا مع مبدأ تقرير المصير ومع أحكام ميثاق الأمم المتحدة".

يَعتبر لعمامرة أن المغرب يفرض "إملاءاته على المجتمع الدولي فيما يتعلق بأطروحة الحكم الذاتي". غير أن المقترح المغربي بمنح الصحراء الغربية حكما ذاتيا، قد أصبح يسترعي اهتمام المنتظم الدولي، بشكل متزايد، في الآونة الأخيرة. فقد اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في عام 2020، حيث وصفت المقترح المغربي بأنه "واقعي وذا مصداقية، ويشكل الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع حول أراضي الصحراء الغربية". جاء هذا الإنجاز الدبلوماسي الكبير للمغرب، من خلال اتفاق ثلاثي توسطت فيه الولايات المتحدة، أقامت بموجبه الرباط علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل. وهو الأمر الذي أثار حفيظة المسؤولين الجزائريين، الذين وصفوه "بمحور عسكري مغربي صهيوني موجه ضد الجزائر". كما أيدت إسبانيا في مارس 2022، خطة المغرب للحكم الذاتي للصحراء الغربية، على غرار ألمانيا وفرنسا، مما خلق أزمة دبلوماسية بين مدريد والجزائر.  وفي رد فعل غير مفاجئ، أعلنت الجزائر عن استدعاء سفيرها بإسبانيا فورا، وأدانت عبر بيان رسمي أصدرته، "التحول المفاجئ" في موقف مدريد تجاه نزاع الصحراء الغربية. وفي 8 يونيو 2022، خطت الجزائر خطوة أخرى إلى الأمام، حيث علقت معاهدة الصداقة التي كانت تربطها مع إسبانيا، وحظرت الواردات من البلاد.

يساعدنا التاريخ ما بعد الكولونيالي لكل من المغرب والجزائر، على فهم الاحتقان القائم بين البلدين. حيث لا يزال يخيم على علاقاتهما، فشلهما، على أعقاب حرب الرمال عام 1963، في حل النزاعات الحدودية الشائكة بينهما، مما لا يزال يؤثر على مواقف وتصورات كل بلد تجاه الآخر. ومنذ ذلك الحين، اشتد التنافس بين المغرب والجزائر، ليصبح نزاع الصحراء الغربية، نتيجة لكل هاته التراكمات، محركا قويا للسلوك الدبلوماسي الجزائري.

إن العداء طويل الأمد بين المغرب والجزائر، مُشبع بالمظلوميات التاريخية، والتي غالبًا ما يتم استدعاءها، لتبرير سلوكيات متقادمة. فالجزائر، التي تتشبث بما تعتبره الرباط وعواصم أخرى، مواقف عفا عليها الزمن تجاه نزاع الصحراء الغربية، تجد نفسها معزولة على الواجهة الديبلوماسية بشكل متزايد. وفي نفس الاتجاه، تستمر النخبة الحاكمة في الجزائر في الشحن الشعبي عبر خطابات الوطنية الموجهة للرأي العام الداخلي، قصد تبرير عمليات قمع الأصوات المعارضة للنظام، ليتولد عن هذا الوضع الداخلي المشحون أيديولوجيا، تثبيطا غير مبرر، لمساعي تحقيق تعاون إقليمي قوي، يُمكن أن يستجيب لتطلعات الجزائريين بشكل كبير.

سيكون من التفاؤل المبالغ فيه، توقع تغير في الموقف الجزائري على المدى المنظور، فالحكومة الجزائرية مستمرة في إدارة ظهرها لدعوات المغرب لإطلاق "حوار مفتوح وصريح"، قصد إعادة بناء الثقة بين البلدين. وباستحضار الاختلاف بين مساراتهما التاريخية وأنظمتهما السياسية، فإن التقريب بين هذين الخصمين يبقى أمرا صعبا، لكنه ليس مستحيلاً. فيجب على الجزائر والرباط الإقلاع عن الخطابات التي تغذي العداء السياسي بينهما، والذي يشل الجهود المبذولة لتوحيد المنطقة المغاربية. تغليب البراغماتية هو المفتاح لتحييد التوترات، وذلك في اتجاه تسوية الخلافات وتعزيز التعاون، بدلاً من الاستمرار في سياسات خارجية تحركها عقائد لا تولد إلا الانقسام.

 

المغرب الكبير: فرصة غير مستغلة في غرب البحر الأبيض المتوسط

جددت بدايات الربيع العربي سنة 2011، آمال عموم المغاربيين في تحقيق اندماج يخدم المصير المشترك، حيث أعلن الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، خلال جولة قادته آنذاك إلى الرباط ونواكشوط والجزائر، عن أمله "بأن يكون عام 2012 عام اتحاد المغرب العربي، وهو العام الذي يمكننا فيه إحياء الحلم الكبير في شمال إفريقيا". وأشاد المرزوقي أثناء زيارته لنواكشوط، بما اعتبرها فضائل "مغرب كبير يقوم على الحريات"، حيث سيكون لمواطني الدول الخمس، الحق في التنقل والاستقرار والاستثمار بحرية عبر الحدود. غير أن جهود المرزوقي، واجهت انتكاسة كبيرة بعدما رفضت الجزائر مساعيه للتقريب بين رؤى الدول الأعضاء للاتحاد. وعبّر المرزوقي عن أسفه قائلاً: "للأسف، قبِلَت جميع الأطراف هذا الاقتراح في ذلك الوقت، باستثناء الجانب الجزائري الذي أبدى رفضه".

بغض النظر عمن يتحمل المسؤولية فيما يتعلق بالوضع المغاربي الحالي، غير أن الواقع القائم يقول بأن اتحاد المغرب العربي (AMU) يعتبر الأقل تكاملاً واندماجا، من بين المجموعات الاقتصادية الإقليمية الثمانية الموجودة في إفريقيا. فعلى الرغم من أن القواسم المشتركة بينهما تفوق خلافاتهما الحالية، إلا أن دول اتحاد المغرب العربي لم تتمكن حتى الآن من التغلب على خلافات تقليدية متجاوزة بين الدول الخمس، وهي التي لم تعقد اجتماعًا رفيع المستوى لقادتها منذ عام 2008. وبعد 33 عامًا من إنشاءه، لا يزال حلم المغاربيين قائما، بخلق اتحاد مزدهر، يتجاوز الانسداد الإقليمي السائد في المنطقة.

يستطيع كل من الجزائر والمغرب توحيد جهودها قصد قيادة الاندماج المغاربي المنشود، لولا الخلافات الحالية بينهما. فهما على التوالي رابع وخامس أكبر اقتصادات إفريقية من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ويمثلان معًا 77٪ من سكان المغرب العربي، و66 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

لكلا البلدين اقتصادات كبيرة نسبيًا، إلا أنهما يمثلان توجهين اقتصاديين متناقضين. فالجزائر، التي تعتمد على عائدات النفط والغاز، يظل اقتصادها ريعيا وخاضعا لسيطرة الدولة، وهو أحد أوجه النموذج التنموي الذي سارت عليه البلاد بعد الاستقلال. بينما نجد في الجانب الآخر، أن المغرب قد سار في اتجاه خلق اقتصاد سوق متنوع ومنفتح، ليستفيد في ذلك من قربه من أوروبا.

 

المغرب الكبير: اتحاد من أجل الشقاق

لا تزال العلاقات التجارية بين البلدان المغاربية ضعيفة للغاية، بالمقارنة مع العلاقات التجارية القوية التي تربط هذه البلدان مع أوروبا أو مع اقتصادات ناشئة بعيدة جغرافيا، مثل البرازيل والهند والصين. حيث أنه في عام 2019، شكلت التجارة داخل اتحاد المغرب العربي 2.8٪ فقط من إجمالي الأنشطة التجارية لمجموع الدول الأعضاء، بينما بلغت كلفة هذا الضعف في التجارة البينية المغاربية، والتي طالما كانت مبعث إحباط للفاعلين الاقتصاديين الخواص والمستثمرين الأجانب، بلغت خسائر تتراوح بين 2 إلى 3 نقاط مئوية من معدل النمو السنوي للبلدان الخمس مجتمعة. فدول اتحاد المغرب العربي لا تمثل سوى 0.6٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين تبقى الاستثمارات المباشرة البينية المغاربية في حدود 0.8٪ فقط من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدول الإتحاد.

يعتقد وديع حمزة، الخبير بالمنتدى الاقتصادي العالمي، أن "الاندماج بين البلدان المغاربية الخمسة، سيمكن كلا منها من تحصيل 5٪ زيادة على الأقل في ناتجها المحلي الإجمالي". وبالرغم من أن الدول الأعضاء الخمسة تُقر بأهمية المكاسب الاقتصادية التي قد تنشأ عن تحقيق اندماج بينها، غير أنها لا تزال تفتقر إلى إرادة سياسية حقيقية تمكنها من الخروج من الانسداد الذي يغذيه انعدام الثقة المتبادل الذي يطبع علاقاتها.

وفي ظل كل ذلك، تستمر كل دولة من دول الاتحاد، في تقديم نفسها على الساحة الدولية، بأجندات منفصلة خاصة بها، وفي الدفاع عن مصالحها القومية فقط، ليبقى اتحاد المغرب العربي، وهو على هذا النحو، مجرد هياكل دبلوماسية مفرغة. الشيء الذي يثير استياء الفاعلين الاقتصاديين الخواص المغاربيين، الذين يجدون في إفريقيا جنوب الصحراء، بيئة أفضل لاستثماراتهم، حيث يتوفر مناخ أعمال أكثر ملاءمة لتطلعاتهم.

 

التطورات الأخيرة في العلاقات المغاربية مع أوروبا

في ضوء التطورات الأخيرة، أصبحت قضية الاندماج المغاربي ملحة أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط بالنسبة لشعوب شمال غرب إفريقيا فقط، بل لصالح منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​بأكملها أيضًا، بما في ذلك أوروبا.

تكتسي المنطقة المغاربية أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة لأوروبا، خاصة في الوقت الراهن، حيث يسعى الأوروبيين إلى إنهاء ارتهانهم للغاز الروسي، وتقليص اعتمادهم على مصادر الطاقة الأحفورية بشكل عام. غير أن التحول الأخضر، الذي تسعى دول غرب البحر الأبيض المتوسط إلى تحقيقه، بالنظر إلى الحاجة الملحة في تطوير حلول تمكن من تجنب الكارثة المناخية الوشيكة، يمر بالأساس عبر اعتماد نموذج جيواقتصادي جديد، ​​يُمَكن من تطوير مصادر طاقة متنوعة، تقوم على التكاملية غرب المتوسط. بما في ذلك بالنسبة للجزائر، التي تعتمد أساسا على عائدات النفط، والتي أصبحت تستشعر أهمية الانتقال الطاقي، حيث بدأت تستثمر جهودها لتصبح رائدة في مجال الهيدروجين الأخضر.

بالإضافة إلى ما سبق، يمكن أن تشكل الاستثمارات الأوروبية في الطاقة المتجددة بدول المغرب العربي، مدخلا هاما من أجل استكمال تنزيل الخطة الأوروبية الخضراء، دون إغفال أهمية هاته الاستثمارات في الزيادة من فرص العمل بالبلدان المغاربية، وتعزيز تنميتها، وتقليص تدفقات الهجرة نحو أوروبا، كما أنها ستساعد على ضمان استدامة الاستقرار في المنطقة. إن تقاعس الاتحاد الأوروبي عن قيادة مبادرات تخدم هذه المساعي، سيشكل دون شك، مصدر خطر على مصالحه الاستراتيجية بالفضاء المتوسطي، حيث تسعى روسيا إلى توسيع دائرة نفوذها به. على أوروبا أن تدرك أن استقرارها رهين باستقرار وازدهار المنطقة المغاربية اقتصاديا، الأمر الذي لا يتطلب تسريع التحول الأخضر فقط، بل يستوجب بث نفس جديد في هياكل اتحاد المغرب العربي.

أطلق الاتحاد الأوروبي، قبل عقدين من الزمن، سياسة الجوار الجنوبي الخاصة به، غير أن هاته السياسة لم تتمكن من فتح مسارات للتكامل الإقليمي خارج حدوده، حيث فضل الحفاظ على علاقات ثنائية تربطه مع دول المغرب العربي منفردة، عبر تبنيه لمنطق براغماتي في علاقاته مع هاته الدول، خصوصا منها المغرب والجزائر، دون أن يسعى إلى التوسط لبناء تفاهمات تمكن من تجاوز الخلافات بين البلدين. من مصلحة الأوروبيين تقوية التكامل المغاربي، غير أنهم لا يبدون استعدادا للإسهام في تهدئة التوترات بين المغرب والجزائر، مما يفسر تعثر جهود بناء الاندماج على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.

على الرغم من أن لأوروبا دورًا تلعبه بالتأكيد، فإن الأمر متروك في النهاية للجزائر والمغرب لدفن الأحقاد بينهم. فاختلاف منظومتيهما السياسية والاقتصادية، لا يمكن أن يقوض بأي حال، الفرص الكبرى التي قد تنشأ عن التعاون بينهما، من أجل التأسيس لمصالح اقتصادية مشتركة تجمع البلدين. وبدلاً من أن يدير كل بلد ظهر للآخر، وجب على الجزائر والمغرب توحيد الجهود، قصد التأسيس لمستقبل جامع بالمنطقة المغاربية.

 

Read in English

Photo by RYAD KRAMDI/AFP via Getty Images